*”هل حانت اللحظة الحاسمة”: (4-4) حوارات مع القراء التيجاني عبد القادر حامد*

“هل حانت اللحظة الحاسمة”: (4-4)
حوارات مع القراء
التيجاني عبد القادر حامد
9 يناير 2026
الاعتراض الثالث والأخير من بعض القراء: أني دعوت إلى التدخل الدولي في شأن سوداني خاص، وأنها دعوة تتضمن انتهاكاً للسيادة الوطنية. ولكن دعني-قبل الإجابة-استعيد النص الذي نشرته: (في هذه الحالة فان الأخوين الكبيرين (ومعهما المجتمع الدولي-إن وجد) سيكتشفان -بعد فوات الأوان- أن طبيعة الصراع في السودان قد تغيرت، وأن قوى خارجية كثيرة صارت تغذيه وتوسع نطاقه، وأنه قد صار يهدد استقرار المنطقة وأمنها الإقليمي. سيكتشف الجاران الكبيران-بعد فوات الأوان أيضاً- أن خير طريقة للدفاع عن أمنهما كانت تكمن في تمكين السودان من الدفاع عن نفسه في “اللحظة الحاسمة” حينما كان يدافع عن وجوده بين الحياة والموت- في الفاشر وبابنوسة وهيجليج والأبيض؛ سيكتشفان أن ظهر مصر والسعودية قد انكشف حينما انكسر ظهر السودان)
وهكذا ترى أنني لم أدعو في هذا النص إلى انتهاك سيادة السودان الوطنية وإنما دعوت لتمكينه من الدفاع عن نفسه، ولا يوجد تلازم ضروري بين الحالتين. ثم إن ما قدمته لا يعدو أن يكون قراءة لحالة دفاع مشترك (ناجحة) مقارنة بحالة دفاع منفرد (خاسرة)، وقادتني القراءة الى القول بان مصر والسعودية (سيخسران) على مستوى الأمن القومي إن ظلا يتفرجان على الحرب في السودان ولم يقدما له مساعدة تمكنه من “الدفاع عن نفسه”، وتوفير الحماية لمواطنيه العزل الذين يتعرضون للإبادة.
فهذه ليست دعوة لتدخل استعماري أو انتهاك للسيادة الوطنية- كما ذهب إلى ذلك بعضهم (وفيهم ثوريون أمميون واتحاديون عروبيون). الذى أعرفه أن أي حكومة في هذه الكرة الأرضية ترى المدنيين من شعبها (أطفالاً ونساء) يقتلون بدم بارد أمام عينيها، وتمارس ضدهم أبشع أنواع التطهير العرقي والاعدام الجماعي، ويطردون من بيوتهم، ويجردون من ممتلكاتهم، ويقتلون وهم في معسكرات اللاجئين، ويحاصرون في المدن وتدمر من حولهم مولدات الكهرباء وصهاريج المياه والمستشفيات، ويحرمون من الغذاء والدواء، ويضطرون لدفن بناتهم وأخواتهم تحت أكوم القش والنفايات حتى لا يعتدى عليهن، أن أي حكومة ترى مثل هذا الاجرام ستكون ملزمةً قانوناً وأخلاقاً إن لم تقم بالدفاع عنهم بكل ما يتاح لها من قوة. أما إذا عجزت عن الدفاع فان الواجب عليها في هذه الحالة أن تطلب المساعدة من جيرانها وحلفائها وأن تستنفر الضمير الانساني حيث ما وجد؛ وليس في هذا ما يخالف مبادئ الأمم المتحدة وقراراتها التي تبيح للدول أن تطلب المساعدة إذا واجهت جائحة من الجوائح أو كارثة من الكوارث التي تهدد وجودها، (دون تفريط بالطبع في سيادتها ووحدتها الوطنية).
ولا شك أن قوات “الجنجويد” تمثل أخطر جائحة تعرض لها السودان في تاريخه المعاصر، ولا شك أنها مارست وتمارس “إبادة جماعية ممنهجة” وتهجيراً قسرياً وتطهيراً عرقياً ضد قطاعات من شعب السودان، وقد شهدت بذلك الأمم المتحدة ذاتها (على لسان مفوضها لحقوق الانسان (فولكر تورك) حين أصدر تقريراً فصل فيه عمليات قتل واغتصاب واسعة النطاق ارتكبتها قوات الدعم السريع خلال واحد فقط من هجماتها الوحشية، وهو هجومها على مخيم زمزم (أبريل 2025) الذي استمر لثلاثة أيام. ذكر التقرير أنه تم اعدام 319 شخصاً أعزل، قتل بعضهم في منازلهم، بينما قتل آخرون في السوق الرئيسي، وفى المدارس، والمرافق الصحية والمساجد. وقال المفوض: إن القتل المتعمد للمدنيين أو الأشخاص غير المشاركين في القتال قد يشكل جريمة حرب”.
وإني لأعجب من بعض القراء الذين يتخوفون من “انتهاك السيادة الوطنية” ولا يتخوفون من انتهاك حرمات الناس-الأبرياء غير المقاتلين) وازهاق أرواحهم. فعلى من-قل لي بربك- تُمارس “السيادة الوطنية” بعد أن يُباد المواطنون أنفسهم أو يطردون من الوطن ذاته؟ إني لا أستحى من القول بأن حماية الناس من القتل الجماعي والتهجير القسري هو أولوية قصوى لا يعلو عليها هدف، وهي المهمة الأولى التي يجب على أي حكومة أن تقوم عليها.
وإني لأعجب من أحدهم وهو يقول-في محاولة لتجميل القُبح- أنه شاهد نمطاً مختلفا لحروب الدعم السريع في كردفان ودارفور بعد انسحابه من الخرطوم. وباستثناء الفاشر- يقول – أنه قد صار واضحا لديه أن الدعم السريع استفاد من دروس مهاجمته المواطن وممتلكاته في الخرطوم والجزيرة، فأصبحت حروبه في كردفان تحديدا “عبارة عن عمليات جراحية تستهدف الاستيلاء على الحاميات وطرد الجيش منها، مع حماية المرافق العامة والاجتهاد في الوصول لاتفاقات مع القيادات الأهلية لإدارة المناطق مدنيا”. فماذا سيحدث-يتساءل- إذا عاد الدعم السريع لممارسة شيء من ذلك في مناطق الوسط والشمال-خاصة النيل الأبيض؟ كأن هذا القارئ المتفائل يريد أن يقول لنا أن الجنجويد بعد أن “شبعوا وارتوا” من دم المواطنين في دارفور وشمال كردفان (أم روابة والرهد وبارا وأم دم والمزروب وغيرها)، وغربها (النهود والفولة والمجلد والخوى وبابنوسة وغيرها)، قد اكتشفوا أن قتل المواطنين الأبرياء أمر قبيح، وانهم-أي الجنجويد- قد عادوا الآن إلى هذه البلدات-وقد استعادوا رشدهم- ليلتقوا مع من تبقى من القيادات الأهلية (لأن أكثرهم دفن في مقابر مجهولة)، وليتوصلوا معهم الى اتفاقات لإدارة مناطقهم مدنياً؛ كأنه يريد أن يقول إن “الجولة الأولى” من جنون الجنجويد وتوحشهم قد انتهت، وستعقبها “جولة أخرى” أقل دموية وأقرب إلى المدنية والديموقراطية-خاصة في النيل الأبيض!
ويعاتبني أحد القراء أنى لم أقف على “مسافة واحدة” من أطراف النزاع باعتبار أن كلاً منهما على حق. غير أنى أرفض مثل هذه الانتهازية الفكرية ومواقف النفاق، وأفضل تسمية لأشياء بأسمائها. فالقوات التي تقاتل الآن تحت راية “الدعم السريع” ليست جماعة ثورية ذات مشروع اجتماعي-سياسي وتخوض حرباً ضد الدولة ومؤسساتها العسكرية، ولصالح الفقراء والمساكين والمستضعفين في الهامش “السودانوي”- كما يلوى البعض ألسنتهم بذلك. لأنه لو كان الأمر كذلك فلماذا يوجهون بنادقهم نحو “أبناء الهامش” من المدنيين وينتزعون بيوتهم ويسلبون ممتلكاتهم وينتهكون أعراضهم؟ وإذا كانت حربهم من أجل الفقراء والمحرومين من “أبناء الهامش” فلماذا يلاحقونهم في معسكرات النزوح (معسكر زمزم مثلاُ) ويقتلون صغيرهم وكبيرهم؟ الإجابة على كل هذه الأسئلة-ولنكن صرحاء- هي أن قوات الدعم السريع ما هي إلا “بنادق للإيجار”، وما تقوم به من أفعال ليس امتداداً لثورة الشباب في ديسمبر، بل يمثل في الواقع أكبر خيانة لتلك الثورة. أما القول بأن لها قيادة ذات مشروع، أو أن لها علاقة بقضية التهميش، أو بقضايا الديموقراطية والحريات فهي أكذوبة كبرى تروجها بعض العناصر السياسية “الجوالة” التي تحلم باستعادة شخصية العقيد “جون قرنق” في شخصية الأمير “حميدتي”، كما تحلم بأن تجعل من الجنجويد “قوة صلبة” توطن من خلالها مشروع “الحركة الشعبية” في شمال السودان بعدما زرعته “بنجاح” في الجنوب- يا للطيش!
أما وقد فرغت من الإجابة على أبرز اعتراضات القراء، فلا بأس من العودة إلى التذكير بأن أهم النقاط التي أثرتها في المقال (وقادتني الى القول بان مصر والسعودية سيخسران على مستوى الأمن القومي أن ظلا يتفرجان على حرب السودان)، تتعلق بمسألة التحالفات والدفاع المشترك، حيث ترجح لدى أن الخيار الأفضل في وجه المخاطر الإقليمية والدولية التي تحيط بنا (أقصد السودان ومصر والسعودية) هو التمسك باستراتيجيات الدفاع المشترك إن وجدت (أو إبرام أخرى على آثارها) والتخلي عن استراتيجية الدفاع المنفرد.
على أنى لا أدعو- في خاتمة المطاف- إلى نوع من “الدفاع المشترك” وحسب، وإنما أدعو إلى نوع من “التنمية المشتركة” أيضاً- في سائر أوجهها-الدفاعية والتعليمية والزراعية والصناعية. والرابط المنطقي بين الدفاع المشترك والتنمية المشتركة ليس خافياً. فالتحديات الكبرى التي تواجه مجتمعاتنا العربية هي تحديات قومية، ونحتاج-بالتالي- إلى حلول قومية للتغلب عليها، ولا تجدى معها الحلول الجزئية المنعزلة. ولا أنكر-بالطبع- أن السودان لو استقل بمساره ومصيره الخاص-من حيث الأمن والتنمية- وتفرغ لحل مشكلاته الخاصة-معتمداً على قدراته وموارده الخاصة- قد يحقق قدراً محدوداً من التقدم في مجالات الاعمار والتنمية- نسبة لما يتوفر لديه من إمكانات مادية وقدرات بشرية. ولكنه سيحتاج في هذه الحالة إلى نحو من عشرين سنة تقريباً؛ ينقضي معظمها في صراعات هوياتية بين النخب (حول مسائل السودانوية والاسلاموية)، ونزاعات قبلية حول الحواكير والمسارات، ومناوشات بين الطلاب والشرطة حول حظر المسيرات وفض المظاهرات، وحول مناشدات للبنك الدولي بتخفيض الديون). ولن يتحقق في مثل هذه الظروف استقرار سياسي ولا تنمية اقتصادية؛ بل سيصير السودان عرضة للمزيد من التدخل الخارجي، وستصير موارده عرضاً للنهب، وسيكون الجيل الحالي من الشباب عرضة لمزيد من الضيع وفقدان المستقبل.
أما من ناحية أخرى فان فرص التنمية والاستقرار ستزداد لو أن إمكانات السودان المادية-من أرض شاسعة ومياه وافره وكوادر بشرية نابهة- تلاقت (في صيغة من صيغ الشراكات الاقتصادية المستدامة) مع ما لدى المملكة السعودية من فوائض مالية، وما لدى مصر من طاقات بشرية وعلمية وخبرات تقنية. مثل هذا التوافق الاستراتيجي سيحقق للجميع في فترة قصيرة نسبياً (من 10 إلى 15 سنة) أكثر بكثير مما يتحقق للسودان منفرداً. أما إذا تركنا الأمور تسير على هذا المنوال من المراوحة والمشاكسة والعواطف الفطيرة والشكوك المتبادلة-فستتبدد طاقاتنا وتزهق أرواحنا بين الحرب والمجاعة وحمى الضنك. أما هناك على “الضفة الأخرى” فيوجد من يتربص بهذه الدول الثلاث الدوائر ويرسم لها “الخرائط”، ولن يدعها تنعم بعوائد النفط أو بتجارة البحر الأحمر أو بمياه النيل ومناجم الذهب والمعادن النادرة.
إن ما ندعو له من دفاع مشترك وتنمية مشتركة قد يكون هو الخيار العملي المتاح الآن-خاصة ونحن نرى قوانين الأمم المتحدة تتساقط، ودول كبرى تغير على صغرى وتختطف نفطها وحكوماتها، وخرائط جديدة ترسم لدولنا، والعالم كله يقف على اعتاب حرب عالمية ثالثة لا تبقى ولا تذر

ملحوظة:
الخريطة المرفقة تفيد أن المساحة الكلية لهذه الدول الثلاث تبلغ نحواً من (5) مليون كيلومتر مربع، وأن عدد سكانها يبلغ نحواً من (200) مليون (أي ما يساوى نصف سكان دول الاتحاد الأوربي مجتمعة). لاحظ كيف أن اللون الأصفر في الخريطة يمثل رئتين يحيطان بالقلب الذي يمثله اللون الأزرق. فلو استطاعت هذه الدول أن تشكل ما يمكن أن يسمى (حلف الجزيرة و وادي النيل) لكان لها شأن على المستوى الاقليمي والعالمي. أم تراني قد أسرفت في الأمل؟؟

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole