*رسالة من زين العابدين الهندي إلى أمير الشهداء الشريف حسين الهندي*

في ذكرى رحيل الشهيد الشريف حسين الهندي ال٤٤..
٩ يناير ١٩٨٢م..
رسالة من زين العابدين الهندي إلى أمير الشهداء
الشريف حسين الهندي..
___________________________

كان الحديث معك.. يخرج دائما من دائرة المحل والمكان، كنت تخترق دوائر الزمان بقلب يضم العالم ، وانت تحمل أثقال الواقع بكل اثقاله وقيوده .. وتحلق.. متخطيا لكل الصعاب ونشده نحن من حولك، وانت تذلل كثيرا من المستحيلات.. وتحيل معظم الأمنيات الي حقائق..
من ذا الذي كان يرقب هذه المعجزة، وهي تتفجر من ينابيع التبيين؟ومن ذا الذي كان يحيا بها الان.. ويحمل امانتها بين كتفيه ويمضي بها نحو الخلود؟ ومن ذا الذي يستشرق الان هذه المشارف السامقة وهو يبتسم حتي الموت ، ويخاطب الناس من خلف البرازخ ..كالعهد به حيا.. وممسكا بتلابيب المستحيل .. من ذا الذي يخوض – الان- عتمات الظلام شاخصا الي الشعلة التي لا تنطفي ولا تموت، حتي لو اختفي هذا الاديم البشري؟ من ذا الذي كان جزءا من هذا الحب الالهي، الذي لا يغيض ولا ينضب ولا يجف لتزروه الرياح ويمضي الي العدم؟ من ذا الذي عاصر هذه السيرة وشق طريقه عبر هذه المسيرة ، وحمل أثقال العذاب علي طريق الالام؟.
هاهي الأعوام تستدير كاستدارة الزمان، وما زال النداء يتيما.. تتجاوب اصداؤه عبر الفجاج، وما كان له ان يكون يتيما..وما ينبغي له.
وكاني بعينيك تعلو في محاجرها .. يقظي.. وترقب في اغماضها جمعنا. بسعة الصدر الذي لا يضيق..
اوتحسب اننا نعيش الضياع؟؟
كيف، وهذا التراث تعلوه الشهادة.. او تحسب اننا في حيرة من امرنا؟ كيف وشرف الموقف يضيق به الزمان ومتسع الفضاء..
لقد كنا بك مثلما انت الان بنا..اما نكون او لا نكون.
اراك تسبل ثوب اشفاقك العطوف كعادتك.. ان هذه الدموع تبادر قسرا.. دعها مرة.. تسيل فإنها تغسل الآلام.. لا تشفق..
صحيح هوت السارية،واطرب السكان والنوء يعصف بالرياح وبالرعود وبالمطر.. ولكن الجرزان وحدها تغادر الان، وذلك فضل من الله كبير.. فان السفن ترتفع فوق الامواج، ولا زلنا نري الشاطئ في عينيك قريبا، وها انت تري اننا جادون في رفع الشراع.. فغدا تشرق الشمس ثانية ويسكن الريح رخماء.. فاطمئن.
لقد تعلمنا منك.. وما أكثر ما تعلمنا منك. تعلمنا منك:
التوازن الصعب. انها لن تنجرف شرقا ولن تنحرف غربا..وان الوطن الذي تحلم به، يترامي بين ذلك الخليج وذلك المحيط ومحيطه الافريقي، وان الحرية التي تريدها لأهلك هي ذات الحرية التي تريدها لمحيطك وجوارك..
وهي ما دافعت عنها حتي الموت..فلم تكن عبدا .. مثلما انك لم تكن ترد ان تكن سيدا لمستعبدين..اني كان هذا الاستعباد، حتي لو كان لطائفة ازدو جماعة او حزب او كان لفرد..
وان الديمقراطية التي اردتها هي تلك التي يعيش فيهاالانسان : حر الفكر وحر المعتقد وحر الرأي.. وحر القول وحر العمل.
وعلمتنا ان الاشتراكية التي تنشدها، هي عدالة الطمانية المشروعة، التي لا تجعل للطموح قيدا ..ولا تتخذ الطمع استغلالا .. ولا يعرف فيها الفرد طعم وحرارة الحاجة المر.. ولا يتاذي فيها بتهمة الشبع من عرق الآخرين..ويمتد فيها النظر عبر اجيالها المقبلة بغير التضحية. بجيل او بعض جيل..
مثلما علمتنا ان الجادة.. ان لايطمس اليمين عين الحقيقة الحضارية. والا يبعثر اليسار معالم التراث ، ويدفن المنابع القومية.
كما علمتنا ان القيادة هي نكران للذات.. وفناء في المجموع، وعيش بالحس الوطني، وضرب للمثل الاعلي.. رائع السمت والخلق والتكوين.. وانهاحب للناس(كل الناس) وايثار للناس(كل الناس).. ورعاية وعناية (لكل الناس) حتي الأعداء.. يزينها العفو والصفح والتسامح والغفران .. الا في حق الوطن..
كما علمتنا، ان الناس تتعلم من اخطائهم: وان الخطأ وليد التجربة، وإن الحياة كلها تجارب.. واي حركة عرضة للخطأ . مثلما هي عرضة للصواب.

وكان عندك للمخطء درس وتصحيح ونقاش..مثلما للأحسن تفويض ةتأهيل وتوكيل.
وعلمتنا ان كل الكبار اباءك.. وكل الاتراب اخوانك.. وكل الصغار ابناؤك.. من غير ان يفرق بينك وبينهم ، دين ولا لون ولا لغة ولا حزب لا معتقد.
كما علمتنا كيف يكون الرجل امة وحده . ويكون قوما ويكون وطنا ويكون انسانية بأكملها.
وزدت، وعلمتنا كيف يكون الوفاء، وانت تخاطب الازهري الزعيم من لجج الامك ومحيطات متاعبك، التي لم تبلغ قدميك يوما.. تمارس له عهود الوفاء ، وتطمئنه علي اكمال المسيرة، وتأكد له السير قدما -بلا كلل او ملل- بالمجموعة كلها(بين ساعديك وصدرك) حنوا وحرصا، ومودة وصبرا واحتمالا وتحملا.
وعلمتنا كيف يفني الإنسان في قضيه.. حتي تحيا بحياته.. ولا يحيا الا لها .. تتنفس بانفاسه. لا يخاصم الا فيها.. ولا يصالح الا فيها..
وكيف يكون من أجلها..روحا لا يدركها التعب .. وطاقة لا ينالها النفاد..وجسما لا يهده الجوع. واعينا ساهرة لا يطرقها النوم. ولا يغشاها النعاس..كما علمتنا ان الدعة والخوف والراحة ، والرفاهية والاسترخاء، هم اعداء الد للنضال والكفاح.
ورايناك بالبيان.. انك مع المقاوم المعتقل في سجنه.. ومع المقاتل في مصرعه، ومع المهاجر في مهجره.. وانك تتوشح بدماء الشهداء من قبلك، تحمل مسؤولية من معك ومن ليس معك.
وانك لا تحالف لتنتكس..ولا تعاهد لتنكث..ولا تصادق لتغدر ..ولا تزامل لتماري.. ولا تعاهد لتنقض… تنصلت من حولك (الجبهة) فصرت صمودا. وقعد من حولك القاعدون فذهبت انت وربك تقاتلان، ولم يضر كما شئ..وارخيت سوابل الستر علي كل شئ..
نم الان يا أبا هاشم.. هانئا قرير العين فكل الذين شرعوا معك شركة الجهاد الحق.. يجتمعون ويتجمعون.. ييتدرون وييادرون.. وانت ملء قلوبهم وصدورهم وعزائمهم،وما اعتركت شهور الأعوام الا بدفن ألموتي، ولم الجرحي والصفوف.. وشحذ الهمم واعداد العدة والعدد.
لقد تباطأت خطوات التاسع من يناير ١٩٨٢، وهو يجر نفسه نحو المغيب مؤذنا بانتهاء مرحلة طويلة وعميقة ومتسعة الأبعاد: هي اروع وأحدث ما خطته صنوف النضال علي صفحات التاريخ المعاصر.. فنا متميزا عامرا من افانين النضال والتربية الوطنية..تنقلت بين الممارسات النضالية الشعبية المسلحة(حيث اختلطت دماء الشهداء مروية شوارع الخرطوم، في اروع مظهر من مظاهر الوحدة الوطنية) .. الي الممارسات السياسية الأفريقية العربية ، ومع الدول الصديقة ..وحركات التحرير المسانده الصديقة.. وشخصياتها القيادية الحميمة..التي أدركت أصالة العمق الوطني والتوجه القومي النقي في قيادة المعارضة السودانية.. وما تعتمل به أعمالها من ثروات نضاليه.. تجعلها من أبرز ركائز النضال في الساحة الافريقية والعربية.
نم ابا هاشم راضيا مرضيا ومرضي عنك بإذن الله تعالي..فما لمثل ما بدأت انقضاء الا النصر او القبر.. ولا توسط بينهما.. لكل الذين وقفوا معك وسمعوا وراوا ووعوا، وتعلموا واملوا وانتظروا: وهم قطرك كله وبلادك كلها ووطنك كله وقارتك الأفريقية ووطنك العربي…
هذا الوجود المقدس الذي يضمه قلبك الرحب الكبير..الذي لم يزل ينبض.. ونسمع نحن وجيبه ونحس خفخانه..ونتجاوب مع صداه.. وهو يمتلئ باركانه وارجائه ,بكل الذين عرفوك شعلة أفريقية عربية(ناصر، لوممبا، جيزنقا، نكروما، بن بيلا، موقابي، سيكتوري،فيصل، صدام،القذافي، ابو عمار، جوكني). حيث كان هذا رهطك يوم يعطر التاريخ صفحاته بذكراك: وكانت هذه هي ابعاد الرؤية لديك في ارجائها الواسعة..وابهائها الرحيبة.
نم ابا هاشم ..فلم يزل هذا هو الهدف..وهذا هو الدستور.. وهذا هو الحداء .. وها هنا مصارع الشهداء، وانتصارات المناضلين،، اننا بسبيل القاء بعض الجثث الي اليم..فلقد ماتت من الرعب .. وها هي العاصفة تهدأ والسارية ترتفع.. ويوشك الليل إن ينقضي.. ويوشك القيد ان ينكسر.. وها هو ابو الشهداء وصحبه. الازهري الزعيم .والإمام الهادي الشهيد الحي ..يقبلون رموزا خالدة للوحدة الوطنية السودانية.
والي اللقاء ابا هاشم

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole