الموت هو الحقيقة الثابتة التي لا مفر منها وهو الباب الذي يطرق كل حي وهو سبيل الأولين والآخرين وكلنا إلى زول نقف في صف الإنتظار فكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول.
ورغم ذلك كله يوجعنا رحيل من نحب وأنا اليوم في قمة الحزن لرحيل صديقي ومعلمي الأستاذ عيسى إبراهيم الذي زاملته لأكثر من خمس سنوات بصحيفة “الخرطوم” وقد كان يقوم بمقام المدقق اللغوي؛ والحق أنني استفدت منه فائدة ربما تضاهي ما استفدته في قاعات الجامعة فالرجل عالم وموسوعة في اللغة العربية تصعب مقارعته فلا غرو في ذلك فهو خريج الأزهر الشريف، وقد كنت أعزه جداً تماماً كمعزته لي ومحبتنا سويٱ للشعر والشعراء وسيرة العظماء من الأدباء والمفكرين ولعل المصادفة الجميلة هي التي جعلتنا نجلس بمكتب واحد هو مكتب القسم الرياضي بالصحيفة التي كان يرأس تحريرها الأستاذ فضل الله محمد _طيب الله ثراه_ ويعاونه الأخ الصديق الأستاذ فيصل محمد صالح في وجود عدد كبير من المشاهير أهل الثقافة والأدباء.
لا انسى أبداً زيارته لي في منزلي بجبرة لمباركة مولودتي البكر “وعد”؛ فقد جاء يحمل الكثير من الهدايا من ضمنها قصيدة عصماء كتبها في مولودتي الجديدة هي بمثابة أعظم هدية اتلقاها في حياتي.. عيسى بالنسبة لي معلم وأخ صديق ورقم كبير وشهادتي فيه أنه كان تقيٱ نقيٱ شجاعٱ في قول الحق كان أهم ما يميزه هو حبه الصادق العنيف بكل ما تحمل الكلمة من معنى لهذا الوطن الذي ابتلاه الله بالمغامرين الصغار أهل التفاهة والوضاعة الذين لم يعرفوا قدره فاشعلوا فيه النار ليوردوه والشعب المهالك.
غادر أستاذي العظيم الفانية بعد أن شعر بأن باطن الأرض أرحم وأفضل من ظاهرها؛ غادر في صمت يشابه وقاره وهيبته، ليخلِّف الأسى والحزن والحسرات في نفوس أهله وأسرته وزملائه وعارفي فضله وما أكثرهم.. رحيل مثل المعلِّم عيسى ابراهيم يمثل احتراق مكتبة، وزوال غيمة رحمة، وتلاشي محطة رحمة، وانهيار وشائج تحنان وذهاب قيم رفيعة؛ فقد كان الأستاذ النبيل يمشي بين الناس بالقيم السمحة والرحمة والطرفة الذكية والاشارات اللماحة والأدب الجم.
رحم الله عيسى ابراهيم وتغمده بواسع مغفرته، وأنزله منازل الصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقاً، جاء خفيفا الى الدنيا وخرج منها خفيفا، كما يقول اخوتنا الجزائريون “عاش ما كسب، مات ما خلى”؛ ولكن عيسى ترك إرثاً من الأدب والبلاغة والمعرفة والعلاقات الطيبة التي جمعته بالناس، إرثاً من الرفعة والسمو وعزة النفس؛ في زمانٍ مات فيه كل شيء طيب.




