*بدون تردد هادية صباح الخير تكتب……… بين الخندق والكلمة… من يدفع ثمن الحقيقة يا وزير الإعلام؟*

لم يكن حديث وزير الإعلام صادماً بقدر ما كان مؤلماً، ومؤلماً لأنه جاء من موقع يُفترض فيه الإنصاف، لا تجميل المشهد بعبارات عامة تهين من صمدوا، وتُساوي بين من عاشوا المأساة ومن شاهدوها من خلف الشاشات.

سيدي وزير الإعلام…

حين تتحدث عن الإعلاميين الذين “خندقوا” مع القوات المسلحة، عليك أولاً أن تدرك معنى الخندق. الخندق ليس تصريحاً صحفياً، ولا منشوراً على منصة، ولا خطاباً يُقال من خارج الحدود. الخندق هو بيتٌ هُجّرنا منه، ومدينةٌ تركناها تحت أزيز الرصاص، وأطفالٌ ناموا على الخوف، وصحفيون كتبوا بمداد القهر قبل الحبر.

نحن لم نختر هذا الموقع طلباً للزينة، ولم ندخل هذه المعركة بحثاً عن منحٍ أو “بنكك” كما ألمحت أو كما يُفهم من حديثك. أتحداك – نعم أتحداك – أن تُثبت أنني أو زملائي الذين بقوا داخل السودان، أو خرجوا منه مكرهين، قد تقاضينا مقابلاً نظير موقفنا الوطني. أتحداك أن تُسمي من اشترى ضميره، لأننا ببساطة لم نكن للبيع.

نحن الذين صُرنا، وشُردنا، ونجونا بأرواحنا، نحمل ذاكرة لا تُمحى. نحن الذين رأينا المليشيا تقتحم البيوت، وتعبث بالأمان، وتزرع الرعب في قلوب الصغار قبل الكبار. نحن الذين دفعنا الثمن كاملاً: خوفاً، وجوعاً، وشتاتاً.

أين كنت أنت حين كنا نركض من حي إلى حي؟ أين كنت حين كانت الكلمة تُكتب تحت تهديد الموت؟ كنت خارج البلاد، تتحدث من مسافة آمنة، لم تذق فيها ما تذوقناه، ولم تر ما رأيناه.

لذلك، لا يحق لك أن تُعمم، ولا أن تُسقط أحكاماً جاهزة على جسد الإعلام كله. إن كان هناك من تلقى دعماً، أو انحاز لمصلحة، فالأجدر بك – كوزير – أن تُسمي الأشياء بأسمائها، لا أن تُلقي التهم جزافاً فتُسيء للجميع.

ثم دعني أكون أكثر وضوحاً: الخلل ليس فقط في حديثك، بل في موقعك ذاته، وفي الجهة التي جاءت بك إلى هذا الموقع. لأن إدارة ملف الإعلام، خاصة في زمن الحرب، لا تحتمل هذا القدر من الغياب، ولا هذا المستوى من الارتباك.

منذ أن توليت المنصب، لم نرَ سياسة إعلامية واضحة، ولا حماية للصحافة، ولا حتى محاولة جادة لتنظيم الخطاب العام. تركت الساحة للفوضى، ثم جئت اليوم لتلوم من حاولوا ملء هذا الفراغ بجهدهم الشخصي وقناعاتهم الوطنية.

نحن لم نكن يوماً عبئاً على الدولة، بل كنا خط الدفاع الأول بالكلمة. وأبناؤنا، نعم أبناؤنا، يقفون اليوم في الميدان، يقاتلون ويجاهدون، بينما نقاتل نحن بالكلمة والصورة والحقيقة. فكيف تُكافئهم بالإهانة؟ وكيف تختزل كل هذا الصمود في شبهة “بنكك” أو دعم مشبوه؟

إن حديث الزميل محمد عبد القادر، الذي أشار فيه إلى أنك قدمت إهانة للإعلاميين على طبق من ذهب، لم يكن مبالغة، بل توصيفاً دقيقاً لما حدث. لأن الكلمة حين تصدر من وزير، لا تُحسب عليه وحده، بل تُحسب على الدولة كلها.

بدون ثرثرة!!!

نقولها لك بوضوح: نحن لا نطلب شكراً، ولا ننتظر مكافأة. لكننا نرفض الإهانة، ونرفض التعميم، ونرفض أن يُعاد كتابة دورنا بعيون لم ترَ، وآذان لم تسمع، وذاكرة لم تعش الألم.

الإعلام ليس خصماً، بل شريك في المعركة. فإما أن تُديره بمسؤولية، أو تتركه لأهله… فهم أدرى بخنادقه.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole