*مفتاح المدى: حكاوي من زمن الحرب حين تمدّ الدبلوماسية السودانية يدها إلى الضوء وينهض الصوت من بين الرماد بقلم: د. محمد حمد محمداحمد*

في كل مرة أطالع فيها صفحة الفيسبوك، أشعر كأن نافذة صغيرة تُفتح على عالمٍ آخر؛ عالمٌ تتحرّك فيه القنصليات السودانية في جدة ودبي بخطى واضحة، كأنها تخرج من صمتٍ طويل لتقول: ها نحن هنا. ليس الأمر مجرد منشورات، بل هو ملمح ابنوسي يطلّ من بين السطور، يحمل ملامح السفير كمال والسفير زاهر، كأنهما يقدّمان وجهاً جديداً للدبلوماسية السودانية؛ وجهاً يختار أن يكون قريباً من الناس، لا بعيداً خلف الجدران.
هناك شيء يشبه النهضة الصغيرة يحدث في هذا الركن من العالم. نهضة ليست سياسية، ولا قراراً رسمياً، بل نهضة في الطريقة التي تُرى بها الدولة. فالدبلوماسية التي عرفناها كانت تمشي على رؤوس أصابعها، تتحدث همساً، وتظهر في المناسبات الرسمية فقط. أما ما نراه اليوم فهو دبلوماسية تمشي في الضوء، ترفع رأسها، وتصافح الجالية بيدٍ مفتوحة، كأنها تقول إن الدولة يمكن أن تكون قريبة، وإن المسؤول يمكن أن يكون جزءاً من المشهد اليومي، لا مجرد توقيع على ورقة أو صورة في تقرير سنوي.
وفي لحظة أخرى، يعلو صوت الحارث عبر منبره، كأن الأرض نفسها تستعيد نبضها. ذلك الصوت ليس مجرد رأي، بل مقاومة هادئة، تشبه جذور شجرة قديمة ترفض أن تُقتلع مهما اشتدّت الرياح. ثم يقف وزير الخارجية ليقول: أنا من الأبيض… ولن تسقط ما دمنا أحياء. جملة قصيرة، لكنها تحمل ما يشبه القسم، وتفتح باباً جديداً في وجه العتمة، كأنها تعيد ترتيب المعنى في قلب الدبلوماسية السودانية.
حين تتجاور هذه المشاهد، يصبح واضحاً أن ما يحدث ليس نشاطاً إعلامياً ولا خطاباً سياسياً، بل لغة جديدة. لغة تقول إن الدبلوماسية يمكن أن تكون قوة معنوية، وامتداداً لصوت الناس، ووجهاً من وجوه الصمود. لغة تجعل الجالية تشعر بأن هناك من يراها، من يسمعها، من يشاركها تفاصيل يومها، وأن المسؤول حين يتحدث من قلب مدينة، أو من قلب ذاكرة، يصبح أكثر قدرة على أن يُصدّق.
إن مقاومة الحارث، وظهور القنصليات، وقول الوزير، ليست أحداثاً منفصلة؛ إنها خيط واحد في نسيج جديد. نسيج يقدّم ملمحاً أكثر وضوحاً للدبلوماسية السودانية، أشد تماسكا، وأقرب إلى نبض الأرض التي خرج منها هؤلاء الرجال. فالدبلوماسي هنا لا يظهر كموظف، بل كحارس لمعنى، يقف في نقطة التماس بين الدولة والناس، بين الداخل والخارج، بين ما يُقال وما يجب أن يُقال.
ولعل هذا هو التحوّل الحقيقي: أن يصبح العمل الدبلوماسي امتداداً للصوت، لا امتداداً للورق. أن يصبح حضور المسؤول جزءاً من مقاومة عامة، لا مجرد حضور في مناسبة رسمية. أن تتخذ الدبلوماسية شكلها من الناس، لا من المكاتب المغلقة.
وفي النهاية، يبقى هذا المشهد بالنسبة لي مشهد حياة ويقظة معاً؛ يقظة تقول إن الصوت حين يخرج من الأرض، وحين يخرج من المدن، وحين يخرج من الناس، يصبح أكثر قدرة على أن يصنع دبلوماسية لا تسقط… ما دام أصحابها أحياء.
ونواصل ….
Mashahid3000@gmail.com

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole