*الشيطان ولا الكيزان د التوم حاج الصافي زين العابدين*

ليس في السياسة سقوط أخلاقي أعمق من أن يشعل المجرم الحريق، ثم يقف وسط الرماد صارخًا: أمسكوا بالحريق. وهذا بالضبط ما يفعله الكيزان اليوم وهم يتهمون قوى الحرية والتغيير بإشعال حربٍ هم صانعوها حرفيًا تخطيطًا وتسليحًا وتمويلاً وتغطيةً سياسية. ليست هذه معركة آراء، بل محاكمة تاريخ، لأن من يزوّر سبب الجريمة إنما يشارك في استمرارها.
الدعم السريع لم يخرج من رحم ثورة ديسمبر ولا من بيانات المدنيين، بل من رحم الدولة الأمنية الإسلامية. هو الامتداد الطبيعي لمشروع الجنجويد الذي أطلقه نظام البشير في دارفور، ثم حوّله إلى قوة رسمية بقرارات رئاسية كيزانية خالصة، قبل أن يُشرعن بقانون خاص في 2017 داخل برلمان تسيطر عليه الحركة الإسلامية بالكامل. هذه ليست رواية سياسية بل وقائع قانونية موثقة. المليشيا التي دمّرت السودان كُتبت شهادة ميلادها في مكاتب الحركة الإسلامية، لا في اجتماعات قحت. فبأي منطق يتهم صانع القنبلة من مات بالانفجار.
حميدتي نفسه لم يصعد رغم الإسلاميين بل بهم. هم من سلّحوه، هم من رقّوه، هم من فتحوا له خزائن الدولة، هم من استخدموه كذراع قذرة في دارفور، ثم صنعوا منه جنرالاً. وحين انفلت الوحش من قبضتهم وانقلبت موازين المصالح، لبسوا ثوب الضحية. هذه ليست خيانة من التلميذ، بل نتيجة طبيعية لمن ربّى الذئب داخل البيت. من يصنع المليشيات لا يحق له الادعاء بالمفاجأة حين تعضّه.
الأخطر أن الحرب الحالية ليست صراعًا بين وطن وخونة، بل صراع بين أجنحة من ذات المدرسة. عشرات من كوادر الحركة الإسلامية موجودون اليوم داخل صفوف الدعم السريع، ضباط أمن سابقون، عناصر تنظيمية، وخبرات عقائدية انتقلت بسلاحها ومعارفها. هذه حقيقة ميدانية يعرفها العسكريون قبل المدنيين. وقود الحرب من ذات المخزن، والعقيدة من ذات المصنع، والسلاح من ذات الدولة العميقة. الشعب وحده هو الضحية المشتركة.
ثم تأتي الكذبة الأكبر: أن قحت أشعلت الحرب. قحت لم تكن تملك جيشًا ولا مليشيا ولا دبابة ولا كتيبة واحدة. كانت تملك بيانات سياسية. في المقابل كان الكيزان يملكون مخازن السلاح، واختراق المؤسسة العسكرية، وشبكات مليشياوية جاهزة للاشتعال. الحروب لا تبدأ بالبيانات بل بالكتائب. ومن يملك الدبابة هو من يقرّر إطلاق النار، لا من يملك القلم.
مشعلو الحرب معروفون بالاسم والصوت والصورة. التهديدات العلنية، التعبئة المسلحة، تحريك القوات داخل المدن، كلها موثقة قبل 15 أبريل. لم يبدأ القتال بتغريدة لناشط، بل بتحركات عسكرية ثقيلة داخل الأحياء. لكن الكيزان يريدون محاكمة الكلمات وتبرئة المدافع، وكأن التاريخ يُكتب بالمنشورات لا بالدم.
سبب كل ذلك واضح: أي حكم مدني حقيقي يعني المحاسبة. يعني تفكيك دولة الظل، واسترداد الأموال، وكشف الجرائم. لهذا لم يكن تخريب الانتقال المدني خطأً تكتيكيًا بل خيارًا استراتيجيًا. حين ضاق بهم الزمن، فضّلوا إحراق الدولة على تسليمها. الحرب لم تكن انزلاقًا عفويًا، بل مخرجًا أخيرًا من العدالة.
قحت قد تخطئ في السياسة، لكن الكيزان يبرعون في تدمير الأوطان. قحت فشلت في الحكم، أما هم فنجحوا في الخراب. قحت لم تصنع مليشيا، وهم صنعوا دولتين مسلحتين داخل دولة واحدة. هذا هو الفارق بين سوء إدارة وجريمة تاريخية.
هذه ليست معركة روايات بل جريمة مكتملة الأركان. من صنع المليشيا لا يملك حق اتهام المدنيين، ومن سلّح القتلة لا يحق له ارتداء ثوب الوطنية، ومن دمّر الدولة لا يملك صك البراءة. لكن هكذا تفعل العصابات حين تُهزم أخلاقيًا، ترفع صوتها لتغطي على الحقيقة. غير أن التاريخ لا يُخدع، والشعب السوداني يعرف جيدًا من أشعل النار، ومن احترق بها، ومن يقف اليوم فوق الجثث كاذبًا.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole