في السابع عشر من يناير من هذا العام، تمر ثلاثون سنة على رحيل مصطفى سيد أحمد. ثلاثون عامًا منذ أن خفت الجسد، لكن الصوت ظل حيًّا، يملأ الأمكنة والقلوب، يوقظ فينا ما كدنا ننساه: أن الفن يمكن أن يكون ضوءًا في العتمة، وأن الكلمة يمكن أن تكون وطنًا، وأن الجمال، حين يكون صادقًا، لا يموت.
ثلاثة عقود مرّت، لكن أغانيه لا تزال تُغنّى وكأنها كُتبت البارحة. لا تزال “الملام” تُبكينا، و”الحزن النبيل” يُربكنا، و”يا جميل يا فالح” تُدهشنا بقدرتها على اختراق القلب دون استئذان. لا تزال كلماته تُتداول في الشوارع، في الجامعات، في البيوت، في المنافي. لا تزال صوره تُرفع في المظاهرات، لا كرمز نوستالجي، بل كصوت حيّ، كرفيق درب، كمنارة.
في الذكرى الثلاثين لرحيله، لا نرثيه، بل نحتفل به. نحتفل بأنه لم يخن صوته، ولم يساوم على كلمته، ولم يبدّل جلده. نحتفل بأنه اختار أن يكون في صف الناس، لا فوقهم. نحتفل بأنه، رغم المرض، ورغم الغربة، ورغم القمع، ظل يُغني. ظل يُبدع. ظل يُحب. ظل يُقاوم.
ولعل ما يجعل مصطفى مختلفًا، هو أنه لم يكن يُغني من أجل أن يُسمع، بل من أجل أن يُفهم. لم يكن يسعى إلى التصفيق، بل إلى التغيير. لم يكن يلهث خلف الشهرة، بل خلف المعنى. ولهذا، فإن أغانيه لا تُستهلك، بل تُتأمل. لا تُنسى، بل تُستعاد. لا تُغنّى فقط، بل تُقرأ، وتُحلل، وتُعاش.
في زمن كانت فيه الأغنية تُستخدم لتخدير الوعي، جاء مصطفى ليوقظ. في زمن كانت فيه الكلمات تُباع، جاء ليكتب بدمه. في زمن كانت فيه الألحان تُصنع في غرف مغلقة، جاء ليصنعها من نبض الشارع، من وجع الأمهات، من صبر العمال، من حنين المغتربين، من دموع العشاق، من صمت المنسيين.
وحين نُصغي إلى أغنية مثل “الحزن النبيل”، لا نسمع فقط قصة حب، بل نسمع قصة وطن. نسمع كيف يتحول الحزن إلى وعي، والخذلان إلى درس، والغياب إلى حضور. وحين نُصغي إلى “يا جميل يا فالح”، لا نسمع فقط مديحًا، بل نسمع احتفاءً بالبساطة، بالصدق، بالإنسان. وحين نُصغي إلى “الملام”، لا نسمع فقط عتابًا، بل نسمع مساءلة، نسمع محاسبة، نسمع اعترافًا.
مصطفى لم يكن يُغني من أجل أن يُعجب الناس، بل من أجل أن يُشبههم. ولهذا، كان جمهوره متنوعًا: من طلاب الجامعات إلى عمال المصانع، من المثقفين إلى البسطاء، من الحالمين إلى المنكسرين. كان يُغني للجميع، لكنه لم يكن يُجامل أحدًا. كان صادقًا حدّ الوجع، وكان هذا الصدق هو سرّه.
في الذكرى الثلاثين، لا نحتاج إلى تماثيل، ولا إلى مهرجانات رسمية، ولا إلى خطب. نحتاج فقط إلى أن نُصغي. أن نُعيد الاستماع، لا بأذننا فقط، بل بقلوبنا. أن نُعيد قراءة كلماته، لا كأغاني، بل كوثائق. أن نُعيد تذكّر مواقفه، لا كحكايات، بل كدروس. أن نُعيد طرح السؤال: ماذا يعني أن تكون فنانًا في زمن الخوف؟ وماذا يعني أن تظل إنسانًا في زمن البيع والشراء؟
لقد علّمنا مصطفى أن الفن ليس حياديًا. أن الصمت موقف. أن الاختيار موقف. أن الجمال موقف. علّمنا أن الانحياز للناس ليس تهمة، بل شرف. أن الغناء للمنسيين ليس ضعفًا، بل بطولة. أن الحزن، حين يكون نبيلاً، يُحرّك، يُغيّر، يُلهم.
ولعل أجمل ما في إرث مصطفى، أنه لم يكن حكرًا على جيله. بل صار ملكًا للأجيال. كل من جاء بعده، وجد في صوته مرآة، وفي كلماته عزاء، وفي مسيرته بوصلة. صار مرجعًا، لا في الغناء فقط، بل في الموقف. صار معيارًا: هل تُشبه مصطفى؟ هل تُغني كما كان يُغني؟ هل تحب كما كان يُحب؟ هل تحزن كما كان يحزن؟ هل تحلم كما كان يحلم؟
في زمن تتكاثر فيه الأصوات وتقلّ الأصالة، يبقى مصطفى علامة فارقة. لا يُشبه أحدًا، ولا يُشبهه أحد. لا يُقلَّد، ولا يُستنسخ. لأنه لم يكن يُغني من حنجرة فقط، بل من قلب، من جرح، من حلم. كان يُغني كما يُصلّي، كما يُحب، كما يُموت.
ولأن الذكرى ليست فقط استعادة للماضي، بل دعوة للحاضر، فإن الاحتفاء الحقيقي بمصطفى لا يكون فقط بإعادة بث أغانيه، بل بإعادة طرح أسئلته. لا يكون فقط بترديد كلماته، بل بالانتباه إلى ما بين السطور. لا يكون فقط بالبكاء على رحيله، بل بالعمل على أن لا يرحل صوته من حياتنا.
في الذكرى الثلاثين، نُدرك أن مصطفى لم يكن مجرد فنان، بل كان ضميرًا. كان ذاكرة. كان وعدًا. كان سؤالًا مفتوحًا. كان صوتًا لا يُشبه إلا نفسه. كان، ولا يزال، وسيظل، أحد أجمل ما أنجبته هذه الأرض.
رحل مصطفى، لكننا لم نودّعه. لأن من يشبهه لا يُودَّع. بل يُرافقنا، يُربّينا، يُعنّفنا، يُحنّننا، يُذكّرنا بأننا نستحق الأفضل. بأننا نستحق أغنية تُشبهنا. بأننا نستحق وطنًا يُشبه الحلم.
في الذكرى الثلاثين، نُصغي إليه من جديد. لا لنرثيه، بل لنحتفل به. لا لنبكيه، بل لنُحييه. لا لنقول “كان”، بل لنقول “هو”. هو الذي لا يزال يُغني، فينا، لنا، عنّا، بنا.
Edward Kornelio



