*( حكاوي من زمن الحرب) عندما يغدر النيل بضفافه…. بقلم / د. محمد حمد محمداحمد*

عندما تموت الطفولة في “جُبّ الأشقاء”، فلا تنتظروا من النيل أن يسقي سنبلة، ولا ترجوا للسبع العجاف أن تزول. فالمأساة اليوم لم تعد في نقص الثمرات، بل في انكسار الذات وموت الضمير على ضفاف النهر الخالد.
حين قررتُ أن أبدأ الكتابة، اخترت “مفتاح المدى” عنواناً لمقالاتي، أردتُ من خلاله التوثيق لفترة ظننتُ أنها الأصعب في تاريخ بلادنا؛ كنت أظنني أكتب “حكاوي من زمن الحرب” كفصلٍ أوشك على الانتهاء، ولم يدر بخلدي قط أن الحكاية مستمرة، وأن الوجع يتناسل، وأن المواطن السوداني ما زال يقتات الألم والجرح والفقد أينما ولى وجهه.
لقد استوقفني عنوانٌ علي منصات التواصل يقطر مرارة: “البرهان يستدعي سفيرنا في القاهرة بسبب وفاة مواطنين في السجون المصرية”.. وبين الضحايا شيخٌ طاعن في الحكمة، وطفلٌ بريء لم يختبر من الحياة سوى مرارة النزوح. هنا يتوقف القلم خجلاً.. فماذا ننتظر عندما تموت الحكمة والبراءة معاً على ضفاف النيل؟
إنه ذات النيل الذي كان يوماً مهداً للأمان، هو النهر الذي حفظ بأمر ربه سيدنا موسى عليه السلام، وأودعه “آمناً” في شمال الوادي. طالما كان النيل يمنح الحياة، ويجمع القلوب قبل الجغرافيا، فماذا جرى في زماننا هذا ليتحول إلى شاهد على اقتياد الطفولة نحو الموت؟ وكيف يضيق “حضن الشقيقة” حتى يصبح زنزانة تضيق بصرخات الضعفاء؟
رسالتي اليوم إلى حكامنا في البلدين: اتركونا لشعوبنا، فمهما كانت الخلافات في الطرقات، يبقى حلها بين جدران البيوت التي تجمعنا وعبر قطرات الندى التي تسقي زهورنا كل صباح. إن هيبة البلاد لا تُستعاد بحملاتٍ أمنية عمياء لا تفرق بين البريء والظالم والمظلوم. هيبة الدولة الحقيقية تكمن في كرامة إنسانها وضيفها ، وفي قدرتها على حماية الضعيف لا التنكيل به.
لقد آن لدبلوماسيتنا في الخارج أن تكون أقرب لمواطنيها، وآن لخارجيتنا أن تبدأ بفرض هيبة الدولة؛ ففي أعراف الدبلوماسية “المعاملة بالمثل” هي الميزان. يا رئيس مجلس سيادتنا، ويا رئيس وزرائنا: أعيدوا لنا عزتنا، واحفظوا لنا ما تبقى من كرامتنا المهدورة على أرصفة الغربة وفي غياهب السجون.
احذروا، فإن للشعوب ذاكرة لا تنسى، وللمظلوم دعوة لا تُرد، واحذروا قبل كل شيء “غضبة النيل”.. فالحكاية لم تنتهِ بعد، ولن ينفتح “مفتاح المدى” إلا بكرامة تليق بهذا الشعب الصابر.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole