في مراتٍ أسجّل زياراتٍ متفرقة لدار الوثائق، أقضي الساعات الطوال هناك، أقلب وأتأمل في الصحف القديمة، بل أدقّق في الأحداث والتصريحات ومواقف الرجال وهم – على قول الشاعر عبد القادر الكتيابي – «يمارسون لعبة التفكير بالألوان في كل المحافل!».
السياسة في قاموس ساساتنا هي مقدرتك على فرض إرادتك على الآخرين، لا يهم إن كان ذلك عبر صناديق الاقتراع أم صناديق الذخيرة، لا فرق!
السياسي ينتقل من موقف إلى آخر دون أن يدفع رسوم انتقال، فلا يعتذر عن خطئه في تقدير الموقف الأول، ولا يبرر موقفه الجديد. ينتقلون – مع أشعب وبنان – من مائدة إلى أخرى دون أن يغسلوا أيديهم! فالمواطن السوداني – في نظرهم – بسيط وساذج، ذاكرته أقصر من ذاكرة النمل!
المفارقات السياسية تملأ الكتب والمجلدات وتفيض، تتغير المواقف بتغير المواقع، وتتكرر التجارب ويختلف المجرّبون، وتدور الحكاية في حلقة دائرية، مثل إعلانات الشاشات المضيئة!
عزيزي القارئ، أستسمحك في عرض بعض هذه المفارقات التي قد تستثير غضب البعض واستياء آخرين:
السيد بابكر عوض الله هو السياسي السوداني الوحيد الذي تقلد رئاسة السلطات الثلاث (التشريعية، القضائية، التنفيذية). استقال من رئاسة القضاء دفاعاً عن نص دستوري واحد في قضية حل الحزب الشيوعي عام 1965، لكن ذات الرجل مزّق كل نصوص الدستور حين شارك في انقلاب مايو وأصبح رئيساً للوزراء!
الأستاذ عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب الشيوعي، ظل يقاوم التيار الانقلابي داخل الحزب ويدعم الخيار الديمقراطي، غير أن صحف دار الوثائق تقول إن الرجل أيد انقلاب مايو، وسعى لاستقطاب الدعم له من المعسكر الاشتراكي في مؤتمرات براغ واجتماعات موسكو، وخطط لتصحيح الانقلاب بانقلاب آخر في 19 يوليو!
السيد الصادق المهدي، صاحب مقولة «الديمقراطية عائدة وراجحة»، هو ذاته الصادق الذي شارك في نظام الحزب الواحد في عهد نميري، ونظّر له، وأدان النظام التعددي بتصريحات محفوظة في دار الوثائق!
الشيخ حسن الترابي، الذي أشعل ثورة أكتوبر بندوة جامعة الخرطوم، هو الذي خطط لانقلاب الإنقاذ، وسخر من أكتوبر في ندوة شهيرة بذات الجامعة عام 1993، وحين خرج من السلطة في 1999 عاد لتمجيدها مرة أخرى!
لا تنتهي المفارقات، ولا يبقى في كأس العبر ما يبلّ الحلق. ومن المفارقات الغريبة التي استدعتها المحاولة التخريبية في نوفمبر 2012، أنه في 16 نوفمبر 1970 قام الضباط الأحرار برئاسة العقيد جعفر نميري بفصل بابكر النور وهاشم العطا وفاروق حمدنا الله، بحجة تدبيرهم لمحاولة انقلابية لصالح الشيوعيين، باعتبارهم الجناح العسكري للحزب داخل الجيش، الأمر الذي مهد لانقلاب 19 يوليو!
نعم، ما أكثر العبر وأقل الاعتبار!
في أيام سطوة الترابي عام 1993 اعتُقل الصادق المهدي وعومل معاملة خشنة – على غير العادة – إذ أُجلس على مقعد بثلاثة أرجل لساعات طوال. وذهب ثلاثة من الصحفيين إلى الترابي محتجين على اعتقال المهدي وسوء معاملته، فلم يجدوا من الشيخ سوى السخرية والتبرير، وتناول وجبة الغداء!
وفي 2004 اقترب المهدي من محالفة الإنقاذ، واعتُقل الترابي في زنزانة صغيرة، وكان أبرز خبر تداولته الصحف وقتها أن فأراً مشاغبا عضّ الشيخ في رجله!
الفريق صلاح قوش، الذي أجلس المهدي على ذلك الكرسي واعتقل الترابي في منزل كافوري، هو الآن معتقل في ذات المنزل، ولا ذكر لذلك الكرسي!
والدكتور الحاج آدم، الذي طارده قوش من قبل باتهامات المحاولة التخريبية عبر الصحف والجوائز، أصبح في أعلى مؤسسات السلطة، وفي مؤتمر سياحي يهدد مدير المخابرات السابق بسيف الحسم!
وعلى الذين يعتقلون قوش ومن معه اليوم أن يستحضروا أن عيون التاريخ لا تعرف التثاؤب، وأن عين الله لا تأخذها سنة ولا نوم، وأن البر لا يبلى، والذنب لا يُنسى، والديان لا يموت. فكونوا كما شئتم، فكما تدينون تُدانوا.
*من الأرشيف نشر في نوفمبر 2012.




