*السودان.. “حظك كعب والناس تلومك” .. بكرى خليفة*

يقول المثل السوداني الشعبي: «حظك كعب والناس تلومك»، ويعكس شعورًا عميقًا بالإحباط من الأوضاع المستمرة في السودان. هذا المثل، الذي كانت ترددّه جدة الزميلة العزيزة رندا أوشي، ينطبق حرفيًا على واقع السودان، البلد الغني بالموارد لكن الفقير في إدارة ثرواته.
فالخرطوم والولايات الأخرى تمتلك مقومات طبيعية هائلة، تشمل الأراضي الزراعية الشاسعة، والثروة الحيوانية والسمكية، إضافةً إلى المعادن مثل الذهب والنفط، وموارد زراعية أخرى مثل القطن، والسمسم، والصمغ العربي، والكركدي. كما يتمتع السودان بموقع جغرافي استراتيجي . من الناحية النظرية، هذه المكونات توفر الأساس لبناء دولة متقدمة اقتصادياً واجتماعياً.
لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا. منذ الاستقلال، لم تتمكن الدولة السودانية من استثمار هذه الموارد لخدمة التنمية المستدامة أو تحسين حياة المواطنين. بل على العكس، فقد ظل الاقتصاد هشًا، والبنية التحتية ضعيفة، والمؤسسات الحكومية متعثرة. وقد أدى ذلك إلى تراكم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، مما جعل السودان عرضة للصراعات الداخلية والأزمات السياسية.
جاءت حرب 15 أبريل لتزيد الطين بلة، حيث دُمّرت أجزاء كبيرة من البنية التحتية، وجرى نزوح أكثر من عشرة ملايين شخص داخليًا وخارجيًا. وقد أدى ذلك إلى تراجع مؤشرات التنمية بشكل حاد، وأعاد البلاد إلى الوراء عقودًا من الزمن، مما يعكس فشل السياسات السابقة في حماية الدولة من الأزمات المتكررة.
اليوم، يجد السودان نفسه في قائمة الدول الهشة، التي لم تحصد شعوبها سوى الشقاء والمعاناة، رغم وفرة الموارد الطبيعية والبشرية. والسؤال المطروح هو: ما سبب هذا التناقض الصارخ بين الإمكانات الهائلة والواقع المؤلم؟ هل هو «لعنة الموارد»، كما تشير بعض النظريات الاقتصادية، أم هو نتاج سوء الإدارة وتتابع قيادات لم تكن قادرة على استثمار الإمكانات؟ أم أن عوامل خارجية ومؤامرات إقليمية لعبت دورًا في تعقيد الوضع؟
يمكن القول إن الإجابة ليست بسيطة، فهي مزيج من كل هذه العوامل. إذ لا يمكن تجاهل أن سوء التخطيط الإداري، الفساد، النزاعات الداخلية، والاضطرابات السياسية، كانت السبب الرئيسي في عرقلة التنمية. كما أن الثروات الطبيعية، في غياب سياسات واضحة وإدارة رشيدة، تتحول إلى عبء بدل أن تكون مصدر قوة. وبالتالي، يبدو أن السودان لم يحظَ فقط بـ «حظ سيئ»، بل بحوكمة ضعيفة وتحديات متراكمة على مر العقود.
إن دراسة الحالة السودانية تُظهر درسًا واضحًا: الموارد وحدها لا تكفي لبناء دولة متقدمة، بل تحتاج إلى إدارة رشيدة، مؤسسات قوية، واستقرار سياسي طويل الأمد. وفي غياب ذلك، يبقى الشعب هو الضحية، بينما يواصل الجميع لومه على فشل الدولة، تمامًا كما يقول المثل الشعبي: «حظك كعب والناس تلومك».

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole