ملخص
(عقد وفد “صمود” حيث حل في جولته الأوروبية لقاءات حكومية وبرلمانية ومع منظمات دولية وبحثية ومدنية ولقاءات بالسودانيين. وبدا من محاضر الرحلة كأنها لم تصمم لتؤمن لهم ما يذيعون على الملأ من حياد بين طرفي الحرب السودانية).
قام وفد من تحالف “صمود” خلال الفترة ما بين الـ18 من يناير الماضي والثالث من فبراير الجاري بقيادة الدكتور عبدالله حمدوك، بجولة أوروبية شملت هولندا وفرنسا وألمانيا وإنجلترا، لشرح تصور تجمعهم لما يراه من حل سياسي للحرب الناشبة في السودان. وعقد الوفد حيث حل لقاءات حكومية وبرلمانية ومع منظمات دولية وبحثية ومدنية ولقاءات بالسودانيين. وبدا من محاضر الرحلة كأنها لم تصمم لتؤمن لهم ما يذيعون على الملأ من حياد بين طرفي الحرب السودانية. ومعلوم أن هذا الحياد ظل موضوع مساءلة لـ”صمود” حتى من أعضاء في “تقدم” (تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية)، سلفها، من “حزب الأمة” الذي طلب خلال وقت باكر توضيحاً لجنوح المنظمة لغض الطرف عن انتهاكات “الدعم السريع”، في حين تذيع إدانة القوات المسلحة على السليقة. ناهيك بخصومها الذين لا يرون فيها سوى الوجه المدني لـ”الدعم السريع”. ولم يخف سوء تصميم استراتيجية الجولة على موقع “أفريكان إنتلجنس” الإخباري (28 يناير)، فتوقف عند إسراف “صمود” في إدانة “الإخوان المسلمين” المتحالفين مع القوات المسلحة حتى إن وفدها أشاد بفرنسا لوضع جماعة “الإخوان المسلمين” في قائمة الإرهاب الأوروبية. وقال موقع “أفريكان إنتلجنس” إن ذلك كان مغالاة من تحالف “صمود” خاطر فيه بسمعة الحياد التي ظل يعلنها على الملأ.
مقاصد “صمود” الثلاثة
أسفرت جولة “صمود” الأوروبية عن ثلاثة مقاصد مما يمكن وصفها بـ”خطوط الحزب”. فالخط الأول هو تأليب الرأي العام على القوات المسلحة لاستخدامها للسلاح الكيماوي في حربها ضد “الدعم السريع”. أما الخط الثاني كما تقدم هو حمل أوروبا على إدراج الإسلاميين، الجماعة المنظمة الأولى في دعم القوات المسلحة، في قائمة الإرهاب. أما الخط الثالث فهو حمل أوروبا لتشمل في التحقيق انتهاكات الحرب تحقيقاً لا يقتصر على دارفور، كما استقر الحال منذ سقوط الفاشر في يد “الدعم السريع”. ولا خفاء أن هذه خطوط مرادها تسوئة القوات المسلحة في نظر أوروبا باتهامها باستعمال السلاح الكيماوي، أو بدمغ حلفائها من الإسلاميين بالإرهاب، أو تفكيك تركيز العالم على انتهاكات “الدعم السريع” بعد الفاشر لتخضع انتهاكات الطرفين للتحقيق. وهي خطوط من المؤكد أنها مصوبة لإضعاف القوات المسلحة أو إحراجها، إذا لم يرغب المرء في الخوض في من تخدم في خاتمة الأمر.
التقى خلال الـ26 من يناير الماضي وفد “صمود” السفير توماس شيب رئيس المكتب التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية بلاهاي. فدعا الوفد المنظمة لتشكيل لجنة للتحقيق في شأن استخدام القوات المسلحة للأسلحة الكيماوية داخل مناطق عدة خلال الحرب الدائرة داخل البلاد. وأطلع الوفد السفير على “وجود تقارير مدعومة بأدلة مادية من مناطق مختلفة داخل السودان، بما في ذلك حالات لبعض الضحايا الذين يخضعون حالياً للعلاج خارج السودان”. ولا أعرف إن كانوا أصابوا غرضهم هنا. فبدا من رد السفير أن منظمة حظر الأسلحة لم تستعد لمثل طلبهم، إن لم تكن قد فوجئت به. فأطلعهم شيب من جانبه على تعقيدات تحول دون إرسال فريق ميداني للتحقق وجمع الأدلة. واكتفى بأن طلب من الوفد ممارسة الضغط على القوات المسلحة والميليشيات المتحالفة معها لتحول دون استخدام هذه الأسلحة في المستقبل، وإلا تعرضت كوادرها للمساءلة متى توافرت الإرادة السياسية واكتملت التحقيقات. وعليه أعطى شيب الوفد “حبال بلا بقر” كما نقول في السودان. فالجهة الوحيدة المناط بها التحقق من استخدام كيان ما للأسلحة الكيماوية كما رأينا، عازفة عن القيام بمثله في السودان. ورد شيب بضاعة “صمود” لها بقوله لهم، وبغير حاجة، أن يواصلوا ضغطهم على القوات المسلحة وميليشياتها ألا تستخدم السلاح الكيماوي وإلا أن يومهم سيجيء.
المأرب السياسي يسبق التحقق
لم يتفق الصحافي فائز السليك القريب من “صمود” معها في فقرة زيارة وفدها لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية ونفر من طلبهم السياسي المباشر للتحقيق في اتهاماتهم للجيش باستخدام سلاح كيماوي. وأراد من هذا أن ننأى من مثل هذا التدخل في مسألة لم تتوافر عليها “صمود” بعد بحيثيات مقنعة في حدها الأدنى، تأتي ثمرة لجان خبراء لجمع العينات من تربة ومياه ونبات وشظايا سلاح وإفادات ناجين وجثث ضحايا في مكان وقوع القنبلة.
ولن تكون هذه مرة السودان الأولى أن يسبق المأرب السياسي المعارض إذاعة خبر عن تسلح حكومته بالكيماوي التحقق من الواقعة. وكانت كلفة ذلك السبق باهظة. فخلال أغسطس 1998 دمرت الولايات المتحدة على عهد الرئيس السابق بيل كلينتون مصنع الشفاء بمدينة الخرطوم بحري بصاروخ من عرض البحر الأحمر بتهمة إنتاج مواد كيماوية لأغراض حربية. ولم تثبت التهمة بعد خراب مالطة. بل ثبت أن هدم المصنع أفقد السودان مورداً للأدوية البشرية والحيوانية غطى حاجته وأربى للتصدير. وهي العملية التي اشتهرت في الدوائر الأميركية بمجاز “هز الذيل للكلب” لاتهام خصوم كلينتون له بأنه إنما ضرب المصنع في السودان ليصرف النظر عن فضيحته مع مونيكا لوينسكي. فهز كلينتون بضرب السودان ذيل كلب، وهو بعضه، ليغطي على الكل وهو الكلب.
ولم يشق بتلك الواقعة مثل السيد مبارك الفاضل المهدي، الأمين العام للتجمع الوطني المعارض لنظام الإنقاذ خلال التسعينيات. فليس من مقابلة تنعقد معه إلا عرضوا له بالسؤال عن مصنع الشفاء. فكان خرج بعد ضربة المصنع مباشرة خلال أغسطس 1998 ليؤمن باسم المعارضة سدادها. فقال في هذه المقابلات إنه علم عن المصنع نفسه قبل نحو نصف عام من ضربه من صديق صيدلي من زملاء مهنة كان غادرها للسياسة. فحدثه الصديق عن المصنع كمؤسسة مشبوهة. فقال إنه حضر افتتاح المصنع ورابه منه أشياء. فكان دخول الضيوف بفحص بطاقة الدعوة، ورفضت إدارة المصنع دخول الضيوف صالة الماكينات، وأنه رأى غرفة البخار في المصنع واتفق له أنها أكبر من أغراض المصنع المعلنة، علاوة على وجود خبراء عراقيين فيه، كما أن حراسه مسلحون بالبنادق خلافاً لحال مصنعه مثلاً وحراسه مجرد خفراء بعصي. فطلب مبارك من صديقه أن يكتب له تقريراً عن حقيقة المصنع. فجاءه بالتقرير في القاهرة خلال أغسطس. وضرب المصنع بكرية تسلمه التقرير، ولم يكن “هضم” مادة التقرير بعد.
وما هدم المصنع حتى صرح المهدي بأن مسؤولية الضربة تقع على الحكومة السودانية، لأنها زجت نفسها في مضمار صناعة محروسة بقوى لا قبل لها بها. وقال ضمن تصريحه صباح الضربة بأن ثمة شواهد أن هناك نشاطاً من ذلك القبيل يجري في المصنع، بل داخل مواقع أخرى في مثل مصنع جياد بجنوب الخرطوم وآخر في سلاح للقوات المسلحة ببحري. وبرر إدلاءه بذلك التصريح بأنه كان يومها الأكثر استعداداً بين معارضي الحكومة للتعليق على الضربة، لأنه اطلع على تقرير صديقه. ولم يبد مبارك مقنعاً لمحاوريه، فقالوا له لم أشرت في تصريحك لمواقع مشبوهة أخرى؟ فكان رده أن لماذا حاصروه حول الأمر في حين أن الرئيس حسني مبارك من قال بذلك أيضاً، فهل هو “حيطتهم القصيرة”؟
وسأله محاور آخر لماذا أخذ برواية الكيماوي من صاحب مصنع منافس؟ فتخلص من السؤال بقوله إن متخصصاً بالمصنع هو من جاء بعينات من تراب المصنع التي استخلص منها الأميركيون تورط المصنع في صناعة الكيماويات. وقال إنه كان إسلامياً أراد من البلاغ أن يهاجر إلى أميركا.
الإسلاميون مبلغ همهم
ويستغرب المرء أن جعلت “صمود” من الإسلاميين أكبر همها في جولتها الأوروبية. واتخذ هذا الهم صورتين. أما الصورة الأولى فهي الطلب من الدول الأوروبية أن تعلن حركة “الإخوان” إرهابية في كتابها. وأما الصورة الثانية فهي في إصرارها ألا يكون للإسلاميين (إلا المؤتمر الشعبي الذي كان انشق به الدكتور حسن الترابي عن المؤتمر الوطني) أي دور في ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب. وسبب “صمود” في إلغاء “الكيزان” هكذا في السياسة السودانية، أنهم هم القوى “التي خربت البلاد” في حد قول الدكتور حمدوك. ولكن “صمود” من الجانب الآخر لا تستنكف دعوة “تأسيس”، وهي الجماعة المدنية التي خرجت على “صمود” لتنحاز لـ”الدعم السريع”، لتكون طرفاً في الحلف الذي سينعقد له لواء الفترة الانتقالية بعد وقف الحرب. ولا يعرف المرء كيف ستصرم “تأسيس” وثاقها العضوي مع “الدعم السريع” العسكرية لتسهم في فترة انتقالية تصر “صمود” أن يخلص وجهها للمدنيين بعد استبعاد كل من القوات المسلحة و”الدعم السريع” من ساحتها. بل، من جهة أخرى، كيف لـ”صمود” أن تدعو الحركة الشعبية لتحرير السودان (عبدالعزيز الحلو) إلى حلفها الانتقالي المدني وهي التي تخوض الحرب في يومنا على قدم المساواة إلى جانب “الدعم السريع” ضد القوات المسلحة. وقد تجاوزنا في مراجعتنا هذه لدعوة “صمود” لكل من “تأسيس” و”الحركة الشعبية” عن وزر “الخراب” الذي امتنع به قبول الإسلاميين في حلف المرحلة الانتقالية. فبدا الوزر كحكم قيمة لـ”صمود” لها وحدها حق تطبيقه كما اتفق لها. فما الخراب الذي لم يقع من “الحركة الشعبية” كحركة مسلحة ومن “تأسيس”، وهي الحزب من وراء “الدعم السريع”، حتى يجوز دمغ الإسلاميين به دونهما. أو ربما كان هذا الحكم حكم مقدار لا نوع. فبالحق كان خراب الإسلاميين طويلاً وسقيماً بخلاف الآخرين.
ملاحقة القوات المسلحة
ولم يقف انحراف “صمود” عن الحياد عند طلبها إخضاع القوات المسلحة لتحقيق عن استخدامها لسلاح كيماوي يفل حدها في الحرب القائمة. فطلبوا من الأوروبيين أن لا يديروا عينهم عن انتهاكات القوات المسلحة في تركيزهم الأخير على “الدعم السريع”. وكان الصحافي ضياء الدين البلال عرض لزيارة “صمود” لأوروبا واحتج عليها أنها لم تغش المحكمة الجنائية للوقوف عند تحقيقاتها عن جرائم “الدعم السريع” في الفاشر، طالما كانوا في بروكسل والتقوا منظمة حظر الأسلحة الكيماوية. وأراد ضياء هنا الطعن في حيادها. ولكن اتضح من تقرير أخير عن زيارة “صمود” لبروكسل أنهم غشوا بالفعل المحكمة الجنائية وطلبوا منها أن توسع دائرة التحقيق في انتهاكات الحرب لأنها اقتصرت أخيراً بعد سقوط الفاشر على تعقب انتهاكات “الدعم السريع” دون القوات المسلحة. فبعبارة تريد “صمود” مثل أن تخفف الجنائية الوطء على “الدعم السريع” وأن تتعقب القوات المسلحة بنفس الهمة. و”شفقة” صمود على “الدعم السريع” قديمة. فطلب حمدوك من قبل أن تعمم الأمم المتحدة حظر الطيران في الأجواء السودانية قاطبة وألا تقصره على دارفور كما هو منذ أكثر من عقد. ولا يخفى أنه مطلب أراد به حمدوك نزع ميزة تفضيلية للجيش في الحرب وهي امتلاكه لسلاح طيران ما لم يقع لـ”لدعم السريع” بعد. فهي تسوية الميدان كما تقول العجم ليلعب الطرفان بالسوية.
لا أعرف كسب “صمود” من جولتها الأوروبية، ولكنها بعبارة لم “تحتشم” فيها بالقدر الذي يصدق الناس أنها على كرسيها الصائب والصحيح، في عبارة للزعيم كيم إيل سونغ المحبوب لـ40 مليون كوري، لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك. لربما أعشاها الكسب الأوروبي المنتظر عن ضبط إيقاع الحياد الذي هو كل رأسمالها في هذا المنعطف الصعب في السودان.




