*السودان ليس نكتة يا عمر أديب*

عمر أديب ومن يدور في فلكه لا يملكون أي صفة تخوّل لهم السخرية من شعبٍ كامل ولا يملكون تفويضًا أخلاقيًا أو مهنيًا يسمح لهم تحويل مآسي الأمم إلى مادة ضحك رخيص على شاشات تبحث عن التريند فوق الدم السودان ليس مدينة مصرية ولا ملحقًا جغرافيًا ولا حديقة خلفية لتفريغ عقد التفوق الزائف السودان دولة ذات سيادة وشعبه ليس قطيعًا للشماتة ولا مادة كوميدية في برامج الاستعلاء الإعلامي نحن لم نفرح لأننا رأينا طائرة لأول مرة كما تحاول تسويق السخرية بعقول كسولة ومقززة نحن فرحنا لأن الطائرة جاءت بعد صمت الدانات وتوقف القذائف قد تكون هدنة مؤقتة للموت فرحنا لأن الأطفال ناموا ليلة بلا انفجار ولأن الأمهات تنفسن دون عدّ الجثث ولأن الحياة حاولت أن تتسلل من تحت الركام أما أنتم فتنظرون من شاشات آمنة بعيون متعالية لا تعرف معنى أن تنجو من يوم واحد في بلد يُقصف
إذا كنت تعرف معنى الإعلام المحترم فالأولى لك أن تواجه مرآة دولتك وتسألها عن مطاردة السودانيين في الشوارع وعن إذلالهم في المعابر وعن خطاب الكراهية الذي يُبث ضدهم صباح مساء بدلًا من فتح منابر للسخرية من جراحهم الإعلام ليس منصة للإهانة ولا مسرحًا لتصفية عقد نفسية الإعلام مسؤولية أخلاقية ومن لا يفهم هذه القاعدة فليغادر المهنة قبل أن يتحول إلى أداة كراهية مكشوفة لا تفتح منبرًا للسخرية فالسودان الذي تضحك عليه تُنهب ثرواته منذ عقود وخيره يُستنزف إلى غير أهله من الماء الذي تتقاتلون عليه إلى الأرض والموارد بينما يُطلب من السوداني أن يصمت ويبتسم ويبتلع الإهانة
نحن شعب محاصر لسنوات طويلة شعب سبق العالم أكاديميًا وفكريًا رغم الحروب والعقوبات والخذلان خرج من بيننا أطباء ومهندسون وأساتذة وباحثون نهضنا بصمت بلا ضجيج ولم نطلب مقابل ذلك تصفيقًا ولا امتنانًا بل حدًا أدنى من الاحترام لا سخرية ولا تنمر ولا استعلاء مريض السوداني ليس أقل شأنًا ولا هامشًا ولا تابعًا ومن يظن أن الاستهزاء يصنع بطولة إعلامية فهو واهم لأن الشعوب لا تنسى والإهانات لا تسقط بالتقادم
السودان ليس بلدًا منكوبًا كما تحاولون تسويقه بل بلد أُنهك بخيانة الجوار وصمت الإخوة ونفاق المنابر ورغم ذلك ما زال واقفًا يعرف قدر نفسه ويحفظ كرامته ويعلم أن هذه الحرب لن تسرق تاريخه ولا وعيه ولا مكانته من يسخر من السودان اليوم سيتفاجأ غدًا بأن هذا الشعب الذي حوصر وجُوّع وقُتل ما زال قادرًا على النهوض وعلى التعليم وعلى البناء وعلى رد الإهانة بوعي لا بضجيج وبثبات لا بصراخ
السودان ليس فاصلًا كوميديًا في برامجكم ولا اسمًا عابرًا في نكتة إعلامية سخيفة السودان لا يُهان ولا يُكسر ولا يُختزل ومن لا يحتمل رؤية شعبٍ صامد فليصمت لأن الصمت هنا أشرف ألف مرة من خطاب ساقط وإعلام فقد إنسانيته قبل مهنيته

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole