ما حدث في شرق دارفور اليوم ليس تفصيلاً ميدانيًا ولا خبرًا عابرًا يصلح للاستهلاك السريع ما حدث هو علامة انهيار بنيوي داخل مليشيا بُنيت على العنف وحده ولم تمتلك يومًا مقومات الاستمرار الاشتباكات بين فصائل الدعم السريع ليست صراع نفوذ بل صراع بقاء داخل كيان فقد مبرر وجوده حين تتقاتل المليشيا مع نفسها فذلك لأنها وصلت إلى لحظة العجز عن إدارة الجريمة نفسها
عشرات القتلى سقطوا من ذات الصف ذات البندقية ذات الذهنية لم يسقطوا في مواجهة خصم خارجي بل في مواجهة الفراغ… فراغ المشروع فراغ المعنى فراغ الوعد هؤلاء لم يُقتلوا دفاعًا عن دولة ولا عن قضية بل سقطوا لأن الغنيمة تقلّصت ولأن ماكينة النهب لم تعد تُشبع الجميع حين تنفد الموارد يبدأ الذبح الداخلي هذا قانون العصابات منذ نشأتها
شرق دارفور اليوم تعكس صورة مصغرة لانهيار شامل قيادة مفككة ولاءات هشة خوف متبادل وسلاح يبحث عن هدف داخل الجسد نفسه المليشيا التي حكمت بالترهيب لا تعرف التسويات ولا تملك أدوات السياسة ولا تتحمل الخلاف لذلك حين تتصدع تتشقق بعنف هذا ليس قتالًا هذا تفكك
لكن ما جرى في الشرق على فداحته لم تكن الضربة الأخطر
الضربة الحاسمة وقعت في نيالا
نيالا المدينة التي حاولت المليشيا تحويلها إلى عاصمة ظل ومركز قرار بديل ومخزن للنهب والسطو شهدت اختراقًا أمنيًا من الدرجة الأولى وصول القوات المشتركة إلى محيط مباني ما يسمى بتحالف الشر لم يكن حركة رمزية بل كسرًا مباشرًا لأسطورة الحصانة الوصول إلى القلب يعني أن المدينة ليست مغلقة وأن منظومة المراقبة انهارت وأن الخوف لم يعد جدارًا صلبًا
هذا الاختراق لم يكن عسكريًا فقط بل نفسيًا وسياسيًا لأنه ضرب فكرة السيطرة المطلقة التي عاشت عليها المليشيا وما إن وقع حتى ظهرت أعراض الانهيار ارتباك قرارات ليلية تحركات بلا غطاء وانكشاف واضح لذعر القيادة هنا لم يعد السؤال هل تسيطر المليشيا؟ بل هل تثق المليشيا في نفسها؟
مصادر موثوقة تحدثت عن مغادرة أقرباء حميدتي وموظفي حكومة التعايشي نيالا ليلًا باستخدام عربات المليشيا نفسها باتجاه مخابئ أُعدّت في محلية كاس هذا المشهد ليس تفصيلاً ثانويًا بل علامة سياسية فاصلة في كل تجارب الحروب حين تبدأ القيادة بتهريب عائلاتها تكون قد أعلنت – دون بيان – أن الأرض لم تعد آمنة وأن المشروع فقد مستقبله.
من يحكم مدينة لا يفرّ منها_من يثق في سلاحه لا يختبئ
من يمتلك شرعية لا يعيش بمنطق المخابئ.
ما جرى هو اعتراف عملي بأن نيالا لم تعد تحت السيطرة حتى بالنسبة لمن ادّعوا حكمها بالقوة هذا السلوك ليس احترازًا بل إقرار بالخوف
وفي الضفة الأخرى كان المشهد الأكثر إزعاجًا للمليشيا الشارع
المواطنين في نيالا خاصة في الأحياء المطلة على الوادي عبّروا عن فرحهم ليس فرحًا بالموت بل فرحًا بانكسار الخوف هذا التحول النفسي أخطر من أي تقدم عسكري لأن المليشيات لا تعيش على السلاح وحده بل على صورة القوة في عيون الناس وحين تسقط الصورة يبدأ العدّ التنازلي.
لأول مرة يُقال علنًا ما كان يُهمس به أن المدينة خضعت لمشروع عنف عابر للحدود قائم على الاستباحة لا على الحكم وعلى النهب لا على الإدارة توصيف المرتزقة ليس خطاب كراهية بل توصيف سياسي لواقع مليشياوي لا ينتمي إلى المدينة ولا إلى أهلها نيالا لم تُدار بل استُنزفت.
الدعم السريع اليوم لا يخسر مواقع فقط بل يخسر السردية التي عاش عليها سردية القوة التي لا تُهزم والمدينة التي لا تُخترق والدولة البديلة هذه السردية انهارت دفعة واحدة اقتتال داخلي اختراق أمني هروب عائلات وتحول مزاج شعبي هذه ليست مصادفة بل علامات سقوط معروفة في تاريخ المليشيات
نحن الآن في أخطر المراحل التي يصبح فيها العنف أعمى والتصفيات داخلية والقتل بلا حساب لكنها أيضًا المرحلة التي تسبق النهاية لأن العنف الأعمى هو آخر ما تملكه العصابات حين تفقد السيطرة والمعنى
نيالا لم تتحرر بعد نعم لكنها اليوم رأت الحقيقة
رأت أن المليشيا ليست قدرًا رأت أن الخوف يمكن كسره
رأت أن الأسطورة كذبة قابلة للسقوط
ما يحدث اليوم ليس خبرًا عاجلًا بل منعطف تاريخي في مسار مدينة صبرت طويلًا.
ومن يعرف تاريخ الانهيارات يدرك أن السقوط حين يبدأ من الداخل لا توقفه البنادق ولا البيانات ولا محاولات الترقيع
هذه ليست حماسة عابرة ولا شهوة دم.
هذه قراءة سياسية لانهيار مشروع بُني على الدم
ومشروع الدم حين ينكشف لا يكون له مستقبل…
بل نهاية …وإنتهي مشروع ال دقلو بأختفاء حميدتي الي الأبد




