لا أحد ينكر أهمية جمع النفايات من الأحياء؛ فالإصحاح البيئي وسيلة لحماية المنطقة من الأمراض والحشرات والقوارض. ويُعدّ حي العقدة من أكثر الأحياء تضررًا من مشكلة النفايات، التي كانت تُلقى في خور العقدة، والذي أصبح خلال الفترات الماضية مكبًا لنفايات كريمة، لولا تدافع الأهالي لإزالة هذا التشوّه. وباستمرار دخول عربة النفايات، نضمن عدم عودة إلقاء القمامة في الخور وعلى ضفاف النيل كما كان سابقًا.
والآن، تعاني العقدة من تلوث جديد يتمثل في روائح ومخلفات حظائر الدواجن، وسنتناول هذا الموضوع في مقال تفصيلي لاحقًا.
كنتُ أول من احتفى بدخول عربة النفايات، فكان العنوان الخبري: (بعد غياب 3 سنوات، عربة النفايات تدخل حي العقدة)، وذلك في صحيفتنا الإلكترونية. بعد ذلك، سارت الأمور بصورة طيبة مع الجهات المسؤولة عن النفايات؛ حيث كانت تأتي مرة كل أسبوع، ثم حدثت بعض التعثرات، فأصبحت تأتي مرتين في الشهر. والحمد لله، فالمواطن متفهم، وإن كان البعض يتضايق من بقاء الأوساخ في المنزل لأسبوعين.
اتصل بي الأخ الحسين، مسؤول الشرطة المجتمعية، خلال اليومين الماضيين، وأفاد بأن سكرتير لجنة العقدة، محمد علي عثمان، قد قدّم كشفًا للمحلية يتضمن بلاغات ضد نحو (15) أسرة لامتناعهم عن سداد رسوم النفايات، وذكر اسمي من بينهم. استغربتُ جدًا؛ فهو يعلم أن المنزل الذي أسكن فيه مقسوم بيني وبين شقيقي ، وبحسب لوائح التحصيل فإن الوضع واضح. والغريب أنه كان يتسلم مني الرسوم، وفي الوقت نفسه يتحصل من شقيقي عمر! وكان يفترض به أن يوضح الأمر أو يعيد المبلغ الزائد، لكنه لم يفعل. والآن، وبكل جرأة، يتقدم ببلاغ ضدي بعدم السداد.
كل ذلك لأنه لم يستطع الفصل بين العمل العام والخاص. يا عزيزي، العمل العام يتطلب منك أن تفصل خلافاتك الشخصية عن مهامك، وقد ذكرتُ لك ذلك في أكثر من مناسبة. فخلافك معي في قضية ما لا يعني خلط الأوراق. وسبق أن أشرتُ إلى خلافك مع رئيس لجنة مسجد العقدة العتيق، عمر محجوب – رحمه الله – وقد رددتُ عليك بمقال بعد تجنّيك عليه ومحاولتك إبعاده من اللجنة، ولم تستطع الرد لأنك تعلم أنك كذبت وأخطأت في حق رجلٍ أصبح الآن بين يدي الله. ويبدو أنك تظن أن كل من وقف معه هو ضدك؛ لذلك عليك مراجعة نفسك، فالعمل العام يتطلب الحياد والتجرد والعمل بروح جماعية، بعيدًا عن الشخصنة، لأن مثل هذه التصرفات تؤثر سلبًا على الأداء العام.
أما مشكلة التحصيل لهذا العدد القليل مقارنة بعدد منازل العقدة، فهي نسبة لا تُذكر. فبحسب ما أوضح الأخ الحسين، فإن عدد الممتنعين (15) منزلًا من أصل أكثر من 200 منزل، وهي نسبة بسيطة لا تعطل العمل. ويمكن الجلوس معهم لحل المشكلة. كما أن من بينهم أشخاصًا معفيين مثل النظاميين وذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى بعض أصحاب المعاشات. ويمكن، في حال عجزهم، أن تتكفل الأسر المقتدرة في الحي — وما أكثرها — فقد لمسنا ذلك في أعمال الخير، خاصة في مسجد العقدة التحت و الفوق، حيث يُعرف أهالي العقدة بمبادراتهم الإنسانية.
تواصلتُ أيضًا مع رئيس لجنة العقدة، الأستاذ عماد هاشم، حول هذه الإشكالية، فأوضح أن المحلية طلبت فقط كشفًا بأسماء الممتنعين لمعالجة المشكلة، وليس الغرض فتح بلاغات أو فرض غرامات باهظة تصل إلى (200) ألف جنيه. فمن لا يستطيع دفع (8) آلاف جنيه، كيف له أن يدفع مبلغًا كبيرًا كهذا؟ خاصة في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها الناس بسبب الحرب.
وبالتالي، فإن حل إشكالية الدفع داخل مجتمع العقدة الأهلي لا يكون باللجوء إلى الشرطة وفتح بلاغات؛ فهذا قرار غير حكيم، يعكس انفرادًا في اتخاذ القرار وقلة تقدير للظروف.
كيف لمن يسعى لخدمة منطقته أن يستعدي أهلها؟ وكيف يُستخدم القانون للضغط على المواطنين؟ وللبيوت أسرار، وكما ذكرت سابقًا، فإن بلادنا تمر بظروف اقتصادية صعبة، وقد يكون بيننا من لا يملك ثمن رغيف الخبز، فضلًا عن رسوم النفايات التي يراها البعض بسيطة.
كما تواصلتُ مع مدير وحدة كريمة الإدارية، الأستاذ عمر الشيخ، لحل هذه المشكلة، وقد وعد خيرًا، مشكورًا.
إن فتح بلاغات وفرض غرامات على أهالي العقدة سابقة خطيرة من اللجنة التسييرية؛ إذ لم يُعرف عن اللجان السابقة مثل هذا النهج، بل كان الحوار والتفاهم هو الأساس، مراعاةً لخصوصية المجتمع. لذلك، ليس من الحكمة استعداء المواطنين أو اللجوء إلى القانون لمعاقبة المتعثرين. فهل يُعقل أن يُغرَّم من عجز عن دفع (8) آلاف جنيه مبلغ (200) ألف؟ دون مراعاة لظروف الناس في بلد أنهكته الحرب والفقر، وما زال المواطن يتمسك بالأمل في زوال هذه المحنة؟
إن إدارة الشأن العام، خاصة في المجتمعات المحلية، تتطلب قدرًا عاليًا من المسؤولية والوعي، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي تمر بها البلاد، حيث أصبح توفير لقمة العيش تحديًا يوميًا لكثير من الأسر.
وعليه، فإن اللجوء إلى الشرطة وفتح البلاغات لا يمكن أن يكون حلًا، بل قد يزيد الأزمة تعقيدًا، ويخلق فجوة بين المواطن والجهات القائمة على خدمته.
العقدة اليوم لا تحتاج إلى قرارات تصعيدية، بل إلى قيادة حكيمة تُدير الخلاف، وتحتوي الأزمات، وتضع مصلحة المجتمع فوق كل اعتبار.




