*مطبات الطريق: اعترافات “السافنا” ترفع الغطاء عن كواليس حرب السودان بقلم:_ وداد الماحي*

​جاء الحوار الأخير الذي أطل فيه القائد العسكري المنشق، علي عبد الله رزق الله المعروف بـ “السافنا”، عبر شاشة الجزيرة مباشر، ليمثل مواجهة صريحة مع حقائق ظلت تدور في كواليس الحرب. هذا اللقاء تجاوز فكرة سرد الأحداث العسكرية العادية، ودخل مباشرة في عمق التعقيدات والتحولات التي تعيشها الساحة السودانية اليوم.
​التحليل الدقيق لإفادات السافنا يضعنا أمام منعرج حاسم لفهم الخيوط التي تحرك مشهد الصراع، ويكشف بوضوح عن حجم “المطبات” التي قادت البلاد إلى هذا النفق المظلم الذي يهدد حالياً عرى الوحدة الوطنية.

​التحركات السياسية.. لقاء البرهان واعترافات حميدتي

​أولى المفاجآت التي وضعت المقابلة في صدارة الاهتمام هي كشف السافنا عن كواليس تحركاته الأخيرة، حيث أعلن عن عقده لقاءً مباشراً مع قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، جرى فيه الاتفاق على ضرورة التوصل إلى حل جذري وناجز ينهي الحرب ويوقف نزيف الدم.

​وفي المقابل، نقل السافنا اعترافاً هو الأخطر من نوعه لخص فيه لقاءً جمعه قبل نحو شهر بقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في العاصمة الكينية نيروبي؛ حيث أقر له حميدتي شخصياً بأن “الحرب الحالية قد خرجت من يده بالكامل”.

​وأشار السافنا إلى لنرى حجم المعاناة والأزمة التي يعيشها قائد الدعم السريع، الذي يتنقل حالياً بين عدة دول، مؤكداً أنه على الرغم من رغبته المحتملة في تحقيق السلام، إلا أن مجريات الأمور الميدانية باتت خارج نطاق سيطرته الفعالة.

​تفكيك الهيكل الداخلي.. لغز الانتهاكات والقرار الميداني

​في تفكيكه للواقع الداخلي لقوات الدعم السريع، أوضح السافنا أن القوام العددي لهذه القوات بات ضخماً وكبيراً جداً، لدرجة أن حميدتي نفسه لم يعد يعرف تفاصيلها الدقيقة أو تركيبتها بالكامل. ومع ذلك، شدد السافنا على معادلة هامة داخل الهيكلية القيادية؛ وهي أن حميدتي يبقى هو صاحب الكلمة الأولى والنهائية في القرار، في حين يبرز شقيقه، عبد الرحيم دقلو، بوصفه المسؤول الأول والمباشر عن الانتهاكات الشائعة التي ارتكبتها تلك القوات.

​وحول آليات اتخاذ القرار الميداني، أشار إلى أن قرارات مثل القتل خارج نطاق القانون تُتخذ بشكل مستقل من قِبل القادة الميدانيين على الأرض، نافياً بشكل قاطع ارتكابه لأي انتهاكات من أي نوع خلال مجريات هذه الحرب. كما كشف في سياق متصل أن القيادي البارز المتهم بارتكاب انتهاكات واسعة، والمعروف بلقب “أبو لولو”، لم يتعرض لعقوبة السجن حتى الآن كما يُشاع.

​الانشقاق الكبير وجهوزية للمثول أمام القضاء

​كواليس الانشقاق التي رواها السافنا تشير إلى تصدع واضح في بنيان المليشيا، مؤكداً أن خطوته الأخيرة لم تكن فردية، بل انشق معه نحو 5 ألف من عناصر وضباط قوات الدعم السريع بشكل متزامن. ويعد هذا الانشقاق هو الثاني من نوعه الذي يضرب تلك القوات بعد انشقاق القيادي البارز النور القبة في أبريل الماضي.

​وقد حمل ظهور السافنا في هذا اللقاء رسائل بصرية لافتة؛ إذ تخلّى عن المظهر العسكري المعتاد وظهر بزيّ مدني وصورة مغايرة شملت حلاقة شعره الكثيف الذي عُرف به، في إشارة رمزية بدت وكأنها إعلان عن مغادرة مربع التمرد الميداني، ولنرى من خلال هذا التحول رغبته في إرسال إشارات سياسية واجتماعية جديدة للمرحلة المقبلة.

​ودافع السافنا عن مسيرته ومواقفه العسكرية بنبرة حاسمة، نافياً تهمة “العمالة المزدوجة” ومؤكداً أن ولاءاته كانت واضحة طوال مسيرته. كما أبدى مرونة تامة وشجاعة أدبية عندما أعلن عن استعداداه الكامل واللامشروط للمثول للتحقيق أمام أي محكمة، سواء كانت محكمة سودانية محلية أو محكمة دولية، لمساءلته ومحاسبته بشأن كافة تفاصيل هذه الحرب.

​ما وراء السطور.. قراءة في ديناميكية التحولات

​التركيز المكثف من القيادات المنشقة على تحديد طبيعة المسؤوليات القيادية داخل المليشيا، يفتح الباب أمام قراءة تحليلية أعمق للمرحلة المقبلة. المشهد الحالي يتجاوز مجرد انشقاق عسكري تقليدي، بل يبدو كمحاولة لإعادة ترتيب الأوراق وتبرئة ساحة أطراف بعينها تمهيداً لتقديمها كشريك محتمل في معادلة المستقبل أو كقوة توازن جديدة على الأرض.

​هذا المنعطف يتطلب فرزاً واعياً يفرق بين المراجعات الفكرية الحقيقية وبين المناورات السياسية والعشائرية التي تفرضها ظروف الميدان وتوازنات القوى المتغيرة، لحماية الذاكرة الوطنية من فخ إعادة التسويق.

​مطب التقسيم والعودة الحتمية لطاولة السلام

​ختم السافنا إفادته بتحذير مباشر من المطب الأخطر الذي يهدد الدولة السودانية اليوم؛ وهو شبح التقسيم وعصف الحرب بوحدة البلاد إذا ما استمرت الوتيرة الحالية للقتال؛ وهو الصراع الذي انطلق شرره في أبريل 2023 على خلفية خلافات ددمج القوات، ليخلف وراءه أسوأ أزمة إنسانية ومجاعة ونزوحاً شمل نحو 13 مليون شخص.

​الواقع المستقبلي يستدعي التماسك الوطني والالتفاف حول خيار الاستقرار الميداني أولاً، فالشعب السوداني هو وحده صاحب الحق والقرار النهائي بشأن تفاصيل المفاوضات ومستقبل البلاد. وبنبرة تفاؤلية، شدد السافنا على أن الخيار العسكري لن يدوم، وأن جميع الأطراف المتصارعة ستعود في نهاية المطاف إلى طاولة السلام، مهما طال أمد القتال واستعرت نيران الحرب.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole