*مفتاح المدي … (حكاوي من زمن الحرب ) ( السودان وأزمة الثقافة: بين ذاكرةٍ مثقلةٍ وأسئلةٍ مؤجلة) بقلم : د. محمد حمد محمد احمد*

اخي وصديقي الدكتور عمار برهان استمعت جيدا الي محاو نقاشك عبر المداخلة التي تفضلت بها عبر منتدكم الاسبوعي الذي يقام بمدينة جدة مع نخبة من الحضور الجميل والانيق الذي يتنوع الطرح فيه واود هنا ان اضيف الي مداخلتكم التي تفضلتم بها واقول لك سيدي بانه ليس سؤال الثقافة في السودان سؤالًا عابرًا يمكن تجاوزه بطمأنينة، بل هو سؤال وجودي يتسلل إلى عمق الوعي الجمعي، ويعيد طرح نفسه كلما تعثرت الخطى. هل نغوص بعيدًا في تاريخٍ سحيق، إلى ما قبل خمسمائة عام، نلتمس فيه جذورنا الأولى ونستدعي أمجادًا غابرة؟ أم نظل أسرى قرنٍ حديث، نحصي إخفاقاته ونجلد ذواتنا باعتباره شاهدًا على العجز والانكسار؟ غير أن هذا التردد بين زمنين لا يفضي، في كثير من الأحيان، إلا إلى إعادة إنتاج الحيرة ذاتها، لأن العلّة ليست في الزمن الذي نختاره، بل في الكيفية التي ننظر بها إليه.
فالسودان، في حقيقته، ليس بلدًا فقير الذاكرة، بل هو مغمور بفيضٍ من التاريخ، متنوع المشارب، متداخل الطبقات، تتجاور فيه حضاراتٌ تعاقبت وتركت بصماتها على الأرض والإنسان. غير أن هذا الغنى لم يتحول إلى طاقةٍ خلاقة في الحاضر، بل بقي في كثير من الأحيان حبيس السرديات، يُستدعى للتفاخر أو للمقارنة، لا للبناء والتجديد.
وهنا تتبدى ملامح ما يُسمى بأزمة النخب، تلك التي لا تختزل في أشخاصٍ بعينهم، بقدر ما تعكس نمطًا من التفكير ظل يتأرجح بين تمجيدٍ مفرط للماضي البعيد، وكأنّه فردوسٌ مكتمل، وبين انشغالٍ مُرهق بإخفاقات الحاضر القريب، وكأنّه قدرٌ لا فكاك منه. وفي كلا المسارين، يغيب السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا نفعل بكل هذا الإرث؟ وكيف نحوله من ذاكرةٍ مثقلة إلى أفقٍ مفتوح؟
إن الهروب من ثقافةٍ إلى أخرى، وهو ما تكرر في تجاربنا الفكرية، لم يكن سوى انتقالٍ من قلقٍ إلى قلق، ومن ارتباكٍ إلى ارتباك. نستعير نماذج لا تنبت في تربتنا، أو ننكفئ على هوياتٍ ضيقة تضيق بنا أكثر مما تحمينا، ثم نتأرجح بين هذا وذاك دون أن نستقر على رؤيةٍ جامعة. وهكذا، تتحول الثقافة من جسرٍ نحو المستقبل إلى دائرةٍ مغلقة نعيد الدوران داخلها.
ولعل الحاجة اليوم ليست إلى قطيعةٍ مع الماضي، ولا إلى الارتماء في أحضان نموذجٍ مستورد، بل إلى إعادة كتابة علاقتنا بثقافتنا ذاتها. إعادة تركيبٍ هادئة، تقوم على قراءةٍ نقدية للتاريخ، لا تقدسه ولا تهدمه، بل تحاوره: تسأل عن نجاحاته وإخفاقاته، وتفكك شروطه وسياقاته، لتستخلص منه ما يصلح للحياة لا ما يصلح للحنين فقط.
كما أن التنوع الثقافي، الذي يشكل أحد أبرز ملامح السودان، لا ينبغي أن يظل مصدر توترٍ مكتوم أو صراعٍ معلن، بل يمكن أن يكون منبعًا لثراءٍ حقيقي، إذا ما أُدير برؤيةٍ تستوعب الاختلاف وتنسج منه وحدةً مرنة، لا تلغي الفوارق بل تمنحها معنى داخل إطارٍ أوسع.
غير أن كل ذلك يظل ناقصًا إن لم يُربط بسؤال المستقبل. فالثقافة، في جوهرها، ليست مجرد استعادةٍ لما كان، بل هي أيضًا تخيلٌ لما يمكن أن يكون. إنها القدرة على صياغة الغد بقدر ما هي القدرة على فهم الأمس. ومن دون هذا الارتباط، ستظل الثقافة خطابًا معلقًا في الفراغ، عاجزًا عن ملامسة الواقع أو تغييره.
ليست المعضلة، إذن، في أن ماضي السودان كان أكثر إشراقًا من حاضره، بل في أن الحاضر لم يُحسن الإصغاء لذلك الماضي، ولم يعرف كيف يحوله إلى قوةٍ دافعة. وبين ذاكرةٍ مثقلةٍ وأسئلةٍ مؤجلة، يبقى التحدي الحقيقي هو أن نحرر الثقافة من أسر التردد، وأن نجعل منها فعلًا حيًا، يشتبك مع الواقع، ويؤسس لمستقبلٍ لا يُستعار، بل يُصنع.
ويبقى السؤال، في نهايته المفتوحة: كيف نحول هذا الإرث، بكل ما فيه من تناقضاتٍ وثراء، من مادةٍ للسجال إلى أداةٍ للبناء؟ سؤالٌ لا ينتظر إجابةً واحدة، بقدر ما يتطلب شجاعة البدء في الإجابة.
ونواصل ….
Mashahid3000@gmail.com

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole