*د. عثمان جلال يكتب جذور دولة 1956 المفترى عليها*

(1)
والذين يهرفون بما لا يعرفون فإن تخلقات دولة 1956م هي ثمرة تراكمية بذرها أبناء السودان بكل تنوعهم الديني والعرقي والهوياتي فكانت بذرة التكوين الأولى في التصاهر والاندماج بين العرب المسلميين والنوبة والذي أدى الى أسلمة مملكتي نوباتيا والمغرة طوعا ثم ميلاد إمارة بني كنز أول كيان إسلامي في السودان واستمر هذا الإثمار في التنوع القيادي الذي أسس الممالك الإسلامية في السوداني الشرقي القديم ، بدءا بالتحالف الذي أسسه عمارة دونقس الفونجاوي وعبد الله محمد الباقر الملقب بجماع والمتحدر من عرب القواسمة والذي أثمر عن قيام السلطنة الزرقاء 1504م والتي كانت وثنية وتحولت إلى الاسلام طوعا بقرار من الملك المؤسس عمارة عام 1517م
وتوالى الإثمار في التنوع القيادي وتجلى في مصاهرة القائد العربي القادم من غرناطة أحمد سفيان الهلالي لسلطان الفور شاور دورشيت وزواجه من ابنته كيرة التي انجبت السلطان سليمان صولونج أي العربي بلغة الفور والذي نادى بأسلمة المملكة. ثم تحالف الشيخ محمد الجعلي والسلطان الوثني كيركيت والذي أثمر عن قيام مملكة تقلي الاسلامية .
ثم ثنائية الإمام محمد احمد المهدي، وعبد الله التعايشي والتي قادت ثورة التحرر الوطني ضد الحكم التركي وأرست اللبنة الأولى للدولة القومية السودانية.
(2)
استمرت تخلقات تكوين الدولة السودانية بذات التنوع العبقري والذي تمثل في الكفاح المسلح ضد الحكم الثنائي البريطاني المصري بدءا من ثورة عبد القادر ودحبوبة في الوسط 1908م ، وثورة الفكي نجم الدين في سنار، وثورة السلطان علي الميراوي والسلطان عجبنا في كردفان، وثورات الدينكا والشلك والنوير في الجنوب ومقاومة السلطان علي دينار وثورة الفقيه السحيني في دارفور .ثم تكثف النضال ضد الحكم الثنائي عبر القوة الناعمة بذات التنوع الوطني والذي بدأ بجمعية الاتحاد السوداني 1920م أول تنظيم سياسي وطني وقد تجاوز عدد أعضائها المائة وفي طليعتهم عبيد حاج الأمين ، توفيق صالح جبريل محي الدين جمال ،سليمان كشة ، عبد الله خليل ، محمد صالح الشنقيطي مكاوي يعقوب. ثم تطورت إلى جمعية اللواء الأبيض 1924 حيث قدم عبيد حاج الأمين البطل علي عبد اللطيف الدينكاوي قائدا للجمعية التي قادة المظاهرات السلمية ثم تحولت إلى مواجهة مسلحة ضد الاستعمار البريطاني انتهت بهزيمة الثوار والزج بهم في غياهب السجون.
(3)
استمر النضال عبر الأدوات السياسية والثقافية والفكرية ضد الحكم الثنائي بذات التنوع الوطني الخلاق والذي تداعى في مؤتمر الخريجين 1938م حتى تكوين الأحزاب السياسية الوطنية (1945 الى 1952) والتي قادت النضال السلمي حتى توج باتفاقية الحكم الذاتي والانتخابات العامة 1953م والتي أثمرت أول برلمان وحكومة وطنية وتمثلت في هذه الأجهزة كل المجتمعات السودانية وقادة هذه الحكومة الاستقلال من داخل البرلمان في جلسة ديسمبر 1955م التاريخية حيث تقدم بالمقترح ممثل حزب الأمة عن دائرة نيالا عبد الرحمن دبكة والتثنية من مشاور جمعة سهل ممثل الحزب الوطني الاتحادي عن دائرة دار حامد غرب ورفع العلم الوطني في سارية القصر الجمهوري رئيس الحكومة إسماعيل الازهري وزعيم المعارضة محمد احمد المحجوب.
(4)
استمر هذا التنوع في دورات الحكم الوطني في مرحلة ما بعد الاستقلال سواء في أنظمة الحكم الديمقراطي وتمثل في ثنائية الحكومة والمعارضة
أو الأنظمة العسكرية الثلاث برئاسة الجنرالات عبود ونميري والبشير فالتنوع الجغرافي والمناطقي والاثني والديني داخل القوات المسلحة السودانية نسيج وحده، وشكل المهاد لانحياز المؤسسة العسكرية للثورات الشعبية في اكتوبر 1964م ، وأبريل 1985م وديسمبر 2018م .
إن تخلقات دولة 1956 في كل أطوارها تشكل البذرة العميقة لإنضاج قضايا البناء الوطني والتحول الديمقراطي ولذلك ينبغي على القوى السياسية الوطنية العض عليها بالنواجز وتعهدها بالسقاية والرعاية والتدافع الفكري والسياسي السلمي حتى تستوي في جودي النظام الديمقراطي التوافقي والمستدام.
(5)
بالمقابل هل مشروع مليشيا آل دقلو يشكل قوة دافعة لقضايا البناء الوطني والتحول الديمقراطي أم يشكل حالة قطيعة جذرية مع هذه القضايا ؟
إن مشروع مليشيا آل دقلو يمثل حالة قطيعة جذرية مع قضايا البناء الوطني والتحول الديمقراطي لأنه ينزع إلى اختزال الحكم في السودان في أسرة آل دقلو يتوارثونها جيلا بعد جيل . كذلك تتمثل خطورة مشروع أسرة آل دقلو في أدواره الوظيفية للمشروع الصهيوني الهادف إلى استتباع السودان لرؤيته السياسية والايديولوجية أو أغراقه في أتون الحروب الهوياتية حتى التفكيك الشامل. كذلك فإن مشروع أسرة آل دقلو يحمل في جيناته النزعة النازية التي تكرس للتفوق العرقي والسلالي فالماهرية هم السادة الجدد وبقية المجتمعات السودانية محض رقيق وأتباع. بالتالي فإن هذا المشروع يشكل أكبر تهديد وجودي لكل المجتمعات السودانية والوحدة الوطنية وانتصار هذا المشروع الشوفوني العنصري يعني تفكك وانهيار الدولة السودانية لذلك واجب كل المجتمع السوداني بكل تنوعه السياسي والفكري والديني والأثني الاصطفاف والقتال كتفا بكتف مع القوات المسلحة حتى القضاء الناجز على هذا المشروع الإرهابي . فمن لم يصطف مع الجيش والشعب السوداني في المعركة الوجودية فهو جنجويدي ماكر وإن تدثر في ثياب الواعظين.

الجمعة: 2026/5/15

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole