تُعد الأبراج السكنية في ولاية الخرطوم الركيزة الأساسية للتوسع العمراني والوعاء الاستثماري الذي يضم آلاف الأسر السودانية. واليوم، ونحن على أعتاب مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، تبرز معضلة تقنية ومالية تهدد بإجهاض جهود العودة واستقرار المواطنين في مناطقهم، ألا وهي **التدمير الممنهج للمحولات الكهربائية المغذية لهذه الأبراج.**
إن هذه المجمعات الرأسية، التي تأوي مئات الشقق والآلاف من الأنفس، تعتمد كلياً في نظام حياتها، من مصاعد ومضخات مياه وإنارة، على محولات ذات سعات كبيرة. واليوم، يجد المواطن نفسه أمام واقع صادم، فالدولة تطالبه بشراء هذه المحولات بماله الخاص، وهي تعلم يقيناً أن تكلفة المحول الواحد بلغت أرقاماً فلكية تتجاوز قدرة الملاك المنهكين أصلاً بفعل الحرب وفقدان الأصول والمدخرات.
### **عقبة “التعجيز” في طريق العودة**
إن فرض تكلفة المحولات على السكان هو بمثابة “جباية” من مواطن منكوب، وعقبة تعجيزية تحول بين الأسر والعودة إلى منازلهم. المواطن الذي فقد مصدر دخله ونهبت ممتلكاته لا يمكنه أن يتحمل عبء بنية تحتية هي في الأصل مسؤولية أصيلة للدولة. إن استمرار هذا النهج يعني بقاء هذه الأبراج “هياكل خرسانية مظلمة” وطاردة للسكان، مما يعطل دورة الحياة الاقتصادية في الولاية.
### **المطالب والحلول السيادية**
إننا، ومن واقع مسؤوليتنا المهنية والوطنية، نرفع هذا النداء إلى **مجلس السيادة،ومجلس الوزراء ووالي ولاية الخرطوم، ووزارة الطاقة والكهرباء**، للتدخل الفوري عبر المسارات التالية:
1. **توفير المحولات كواجب وطني:** يجب على وزارة الكهرباء توفير هذه المحولات فوراً ودون مقابل مادي مسبق، واعتبارها جزءاً لا يتجزأ من التزام الدولة تجاه مواطنيها في مناطق إعادة الإعمار.
2. **آلية “التمويل الآجل”:** إذا كانت الدولة تتذرع بضعف الميزانيات، فإن الحل العادل يكمن في تركيب هذه المحولات فوراً، على أن يتم تقسيط قيمتها بفوائد صفرية تقتطع بشكل يسير ومنطقي من **فواتير الاستهلاك الشهري لاحقاً**، وبذلك تضمن الدولة استرداد التكلفة دون إرهاق كاهل المواطن دفعة واحدة.
3. **قرار سيادي بالإعفاء:** نطالب بإصدار قرار يعفي كافة معدات الطاقة الخاصة بالمجمعات السكنية المتضررة من الرسوم الجمركية والضرائب، وتوجيه الشركات الحكومية بالبدء الفوري في التركيب والتشغيل.
إذا استثمرت الدولة 50 مليون دولار (كمرحلة أولى) لتوفير محولات بنظام الاسترداد الآجل، فستتمكن من إعادة أصول عقارية بقيمة مليار دولار للعمل، مما يعني أن العائد على الاستقرار الاقتصادي سيعادل 20 ضعف التكلفة الأولية.
هذا الرقم هو “مفتاح الحل” الذي يجب وضعه أمام وزارة المالية وولاية الخرطوم.
يجب علي ولاية الخرطوم أن تفتح ملف الأبراج السكنية المظلمة وأن تصدر قرارات جريئة تلامس وجع المواطن. فتوفير المحولات الكهربائية ليس منّة، بل هو المفتاح الحقيقي لعودة الحياة والحركة لمناطق العاصمة. فهل تستجيب السلطات لصرخة المواطنين، أم تظل الأبراج المظلمة شاهدة على غياب الحلول؟




