ما تزال معاناة أهلنا في أحياء العقدة مستمرة، وما يزال صمودهم في وجه الحصار نموذجًا حيًا للإرادة والثبات. ومن على البعد، نقف معهم بالكلمة الصادقة، علّها تصل إلى قلوب المسؤولين قبل مكاتبهم، فتوقظ حسّ المسؤولية، وتدفع نحو قرارات عاجلة تنهي هذا الحصار المؤلم الذي طال أمده وأرهق المواطنين.
لقد تابع الأهالي مسار القضية بروح حضارية تعكس عمق وعيهم وإرثهم الاجتماعي المتوارث جيلًا بعد جيل، حيث اتجه الرأي العام إلى سلوك الطرق الرسمية ومخاطبة مؤسسات الدولة عبر القنوات القانونية، بعيدًا عن الفوضى والانفعال.
وفي هذا الإطار، تم توكيل محامٍ لتولي الملف، حيث باشر بدوره الإجراءات القانونية بفتح بلاغ لدى النيابة المختصة، التي تجاوبت مشكورة مع القضية، وشرعت في مخاطبة الجهات ذات الصلة للنظر في أبعاد الأزمة وتداعياتها.
وبرزت في العلن خطوات حكيمة اتخذتها الجهات الرسمية، تمثلت في مخاطبة السلطات الصحية والجهات البيئية المختصة، للوقوف على الاشتراطات الصحية المطلوبة، وتقييم الآثار البيئية المحتملة التي قد تنتج عن استمرار نشاط الدواجن داخل النطاق السكني، وما يمكن أن يترتب على ذلك من أضرار تمس صحة المواطنين وسلامة البيئة العامة.
ورغم هذه التحركات، ما يزال الأهالي ينتظرون قرارات حاسمة تنصفهم، وتضع حدًا لمعاناة امتدت طويلًا، في وقت أصبحت فيه الحياة اليومية داخل أحياء العقدة محاصرة بين القلق والترقب والأمل في تدخل عاجل يعيد للأحياء أمنها الصحي واستقرارها الإنساني.
ومن هنا، نجدد دعوتنا للجهات المختصة بضرورة الإسراع في معالجة هذه القضية، والوصول إلى حلول عاجلة وعادلة ترفع الضرر عن المواطنين، وتعيد الطمأنينة إلى أهل المنطقة الذين أنهكتهم المعاناة وطول الانتظار.
كما نأمل أن تفتح هذه القضية الباب أمام مراجعة كثير من الملفات والقضايا المسكوت عنها، والتي تمس بصورة مباشرة حياة مجتمع محلية مروي، وعلى وجه الخصوص مدينة كريمة وأحيائها وقراها الممتدة على ضفاف هذا الشريط النيلي العريق، تلك المناطق التي تحتاج إلى وقفة جادة وإعادة تقييم شاملة للخدمات الأساسية وحقوق المواطنين.
إن مسؤولية الدولة لا تقتصر على معالجة الأزمات الطارئة فحسب، بل تمتد إلى حماية حقوق المواطنين في الصحة والتعليم والكهرباء والمياه والتخطيط السكني السليم، إلى جانب توفير بيئة جاذبة للاستثمار والعمل المنتج، وتشجيع ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والكبيرة، مع وضع ضوابط عادلة تحفظ حقوق المواطن والمستثمر معًا، وتمنح أبناء المنطقة الأولوية في فرص التنمية والاستثمار.
كما ندعو المسؤولين إلى إشراك المواطن بصورة حقيقية في رسم مستقبل منطقته، وتمليكه رؤية واضحة حول الخطط الاستراتيجية للتنمية ـ إن وجدت ـ وإن لم تكن موجودة، فلابد أن تتكاتف الجهود الرسمية والشعبية لصياغتها ووضعها على أسس واضحة وشفافة، تلتزم جميع الأطراف بتنفيذها بما يخدم حاضر المنطقة ومستقبل أجيالها القادمة.
وأخيرًا، تم فتح باب التبرعات لصالح المسجد التحت (المسجد العتيق) عبر لجنته الكريمة، كما لا ننسى المسجد الفوق الذي تقود لجنته أيضًا جهودًا مقدرة لخدمته ورعايته، وعليه فإننا ندعو الجميع للمساهمة في حملات التبرع ودعم هذه الأعمال المباركة.
كما نأمل ـ ومن باب الحرص على وحدة الجهود وتعظيم الفائدة ـ أن تتوحد لجنتا المسجدين في لجنة واحدة تتولى الإشراف على تطوير المسجدين والخلاوى الملحقة بهما ورياض الأطفال المحيطة بهما، بما يسهم في بناء عمل مؤسسي أكثر قوة وتنظيمًا واستدامة… وهو مجرد رأي يحتمل النقاش، لكن غايته الأولى خدمة المجتمع ووحدة أهله.
وختامًا…
كم اشتقنا إلى أن “نندِّل كريمة”، أن تعود المدينة كما عرفناها؛ عامرةً بالناس، نابضةً بالحياة، دافئةً بالمحبة والألفة، وأن تعود المجالس عامرة بالأحاديث والضحكات، وتعود الشوارع مفعمةً بالأمان والطمأنينة بعد سنوات أثقلتها الحرب وأوجعتها الظروف.
اشتقنا إلى تفاصيلها الصغيرة التي تسكن الذاكرة، وإلى وجوه أهلها الطيبين، وإلى ذلك الشعور العميق بالانتماء الذي لا تمنحه إلا المدن التي تشبه الروح.
لكن يبقى الأمل حاضرًا…
فكريمة التي عرفت الصبر، قادرة على النهوض، وأهلها الذين حملوا وجعها بصمت، قادرون على إعادة الحياة إليها من جديد.
ونواصل…
Mashahid3000@gmail.com




