ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح، فبعضها صامت… ينهش الحياة اليومية دون ضجيج، ويترك أثره في الأنفاس والبيوت والوجوه.
في مدينة كريمة، حيث التاريخ يختبئ في تفاصيل الأحياء، وحيث “العقدة” ليست مجرد حي، بل ذاكرة ممتدة من العطاء، يقف السكان اليوم أمام نوع آخر من الحصار… حصار لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يُحس في كل لحظة.
حي العقدة، ومعه الامتداد والمصنع والجرف، لم يعد كما كان.
هناك شيء تغيّر… الهواء لم يعد نقيًا كما ينبغي، والنوافذ لم تعد تُفتح كما في السابق.
السبب؟ مزارع الدواجن التي أحاطت بالمكان حتى ضاقت به الأرض.
لم تعد القضية مجرد نشاط اقتصادي، بل تحوّلت إلى معاناة يومية:
روائح خانقة تتسلل إلى البيوت دون استئذان، تفسد صفو الحياة، وتجعل أبسط الحقوق — كاستنشاق هواء نقي — حلمًا بعيد المنال.
ومع هذه الروائح، يأتي زحف غير مرحب به:
أسراب من الذباب، حشرات لا ترحم، وقوارض وجدت في المخلفات بيئة خصبة، لتشارك السكان تفاصيل حياتهم قسرًا.
أما الأثر الأخطر، فهو ما لا يُرى…
غازات ضارة، غبار محمّل بالميكروبات، وأمراض تنفسية تطرق الأبواب بهدوء، تستهدف الأطفال قبل غيرهم، وتثقل كاهل كبار السن.
ولأن الخطر لا يقف عند حدود الهواء، فإن المياه أيضًا ليست بمنأى.
مخلفات غير معالجة قد تتسرب إلى باطن الأرض، حاملة معها تهديدًا صامتًا لمصادر الحياة.
كل ذلك يحدث… بينما ينشغل بعض المسؤولين بقضايا جانبية، ويُهدر الوقت في متاهات لا تمس جوهر معاناة الناس.
القضية هنا ليست رفضًا للتنمية، ولا اعتراضًا على الاستثمار، بل صرخة من أجل التوازن:
أن تكون هناك حياة كريمة، وبيئة آمنة، قبل أي اعتبار آخر.
أهل العقدة لا يطلبون المستحيل…
فقط يريدون أن يعود الحي كما كان:
مكانًا يُروى عنه، لا يُشكى منه.
وإني أكتب الآن بلسان حالهم:
إن استمرار هذا الوضع لا يمثل فقط إهمالًا بيئيًا، بل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة وكرامة الإنسان.
ومن هنا، فإن المسؤولية لم تعد تحتمل التأجيل أو التسويف.
وعليه، نطالب بقرار رسمي عاجل وواضح يشمل:
* نقل مزارع الدواجن خارج النطاق السكني إلى مواقع مخصصة وبعيدة.
* فرض رقابة بيئية صارمة على الأنشطة القائمة لحين معالجتها أو إزالتها.
* تشكيل لجنة ميدانية عاجلة لتقييم الأضرار الصحية والبيئية.
* سنّ تشريعات تمنع تكرار هذه الأزمة مستقبلًا.
هذه ليست مطالب رفاهية… بل حقوق أساسية يكفلها أبسط منطق إنساني.
أهل العقدة لا يطلبون المستحيل، بل يطالبون بحقهم في هواء نقي، وبيئة آمنة، وحياة كريمة.
الكرة الآن في ملعب الجهات المسؤولة…
والتاريخ لا ينسى من استجاب، ولا يرحم من تجاهل.
فهل يصدر القرار… أم يستمر الحصار؟
أم تُهدر الحقوق مرة أخرى… بين الوعود وقضمات الشاورما؟
ونواصل….
Mashahid3000@gmail.com




