*مطبات طريق: نزيف الذهب الأسمر.. حين تتعثر “الجوهرة” في وحل الحرب ​بقلم: وداد الماحي*

​يُعد الصمغ العربي العمود الفقري ليس فقط للاقتصاد المحلي، بل للصناعات العالمية التي تعتمد عليه كعنصر لا بديل له. ولكن، ونحن ننظر إلى أرقام الصادر اليوم، نجد أننا أمام “مطب” عميق كاد أن يبتلع هذا القطاع الحيوي تماماً، حيث شهدت الصادرات تراجعاً حاداً بنسبة تتجاوز 60% إلى 70% مقارنة بالعام الذي سبق اندلاع الحرب. هذا الانهيار ليس مجرد رقم، بل هو فقدان لعملة صعبة كانت ترفد الخزينة، وتدهور في معيشة ملايين السودانيين.
​أولاً: أسباب التدهور (المطبات الحالية)
​عقدة السوق الأمريكي: من المفارقات أن الصمغ العربي كان السلعة الوحيدة المستثناة من العقوبات الأمريكية لعقود، حيث كانت الولايات المتحدة تستورد وحده حوالي ثلثي الصمغ العربي السوداني. تدهور الصادر الآن يهدد بفقدان هذا السوق الاستراتيجي واهتزاز ثقة المصانع العالمية في استدامة الإمداد.
​مطب “المادة الخام” وغياب العلامة: إن الأزمة ليست في الحرب فحسب، بل في استمرار تصدير الصمغ كـ “مواد خام” بأسعار زهيدة، ليُعاد تصنيعه في الخارج بأسعار مضاعفة، مما يحرم البلاد من القيمة المضافة ويجعل المنتج السوداني مجهول الهوية عالمياً.
​شلل سلاسل الإمداد والتهريب: خروج الخرطوم عن الخدمة وتوقف المصانع أدى إلى شلل فني، مما فتح الباب لنزيف التهريب عبر الحدود، حيث يُباع الصمغ السوداني بأسماء دول أخرى، مما يفقدنا العائد الدولاري ويهدد “شهادة المنشأ”.
​التهديد بالبدائل الصناعية: انقطاع الإمداد يدفع الشركات العالمية لتكثيف البحوث لإيجاد بدائل كيميائية، وإذا نجحت هذه البدائل، فقد نفقد حصتنا السوقية للأبد.
​واقع المنتجين: المنتج البسيط يعاني انعدام السيولة، مما قد يدفعه لقطع الأشجار وتحويلها لفحم نباتي، وهو ما يهدد الثروة الشجرية والبيئة.
​ثانياً: الحلول المقترحة لمعالجة الأمر (خارطة طريق)
​للملف أهمية قصوى تتطلب تحركاً عاجلاً عبر المسارات التالية:
​تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية والحقوقية: يجب على الدولة الكف عن التركيز على الوظائف الداخلية فقط، والتوجه نحو استغلال وجود السودان في المنظمات الإقليمية والدولية مثل جامعة الدول العربية، الاتحاد الإفريقي، ومنظمة “الإيغاد”. كما يجب شغل المواقع في منظمات حقوق الإنسان الدولية للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لملايين السودانيين في حزام الصمغ، ووضع “الرجل المناسب” في هذه المواقع لدعم الصادر الشامل وحماية سبل كسب عيش المنتجين باعتبارها قضية بقاء إنسانية.
​حماية الملكية الفكرية والمنشأ: السعي لتسجيل “صمغ الهشاب السوداني” كعلامة تجارية عالمية ذات منشأ جغرافي محمي، لضمان عدم التلاعب به دولياً أو نسبه لدول الجوار التي يهرب إليها حالياً.
​اللامركزية في التصنيع والتصدير: إنشاء مناطق حرة ومراكز فرز وتعبئة متطورة في الولايات الآمنة والقريبة من الموانئ لضمان استمرار العمليات الفنية بعيداً عن مناطق النزاع.
​تفعيل “الممرات الخضراء”: تأمين مسارات لوجستية خاصة ومحمية لشاحنات الصمغ من مناطق الإنتاج وصولاً إلى بورتسودان، باعتباره سلعة أمن قومي.
​رقمنة المنتج لمكافحة التهريب: تطبيق نظام تتبع رقمي لضمان مرور الصادر عبر القنوات الرسمية، مما يغلق الباب أمام تجارة الحدود غير المشروعة.
​خاتمة:
الصمغ العربي ليس مجرد سلعة، بل هو “كرت تفاوضي” وقوة ناعمة للسودان في قلب الصناعات العالمية. إنقاذه اليوم من هذه المطبات يتطلب تكامل الأدوار بين المنتج في الغابة، والمسؤول في المنظمات الدولية، لضمان حماية مورد سيادي لا يملكه غيرنا بذات الجودة والوفرة.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole