*مَطَبّات طريق حين تصبح “الهوية” لافتةً في وجه الريح ​بقلم: وداد الماحي*

.

​تضعنا الغربة دائماً أمام اختبارات قاسية، لا تتعلق فقط بمرارة البعد عن الأهل والديار، بل بما أسميه “مَطَبّات الروح”؛ تلك اللحظات التي يشعر فيها الإنسان أن هويته باتت محاصرةً بين سندان الواقع الجديد ومطرقة الصور النمطية. وفي قلب هذه المَطَبّات، تبرز نماذج إنسانية لا تكتفي بالصمود، بل تحول “هموم الغربة” إلى جسورٍ يعبر عليها الحوار وتتجلى من خلالها الحقيقة.

​لعل تجربة الصحفي المخضرم محمد علي صالح في واشنطن، هي التجسيد الحي لواقع الإنسان الذي يرفض الذوبان أو الانكسار. فبعد عقود من الركض في دهاليز السياسة الأمريكية، وجد نفسه أمام مَطبٍّ وجودي: كيف يدافع عن جوهر دينه وهويته في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم وصار “الإسلام” مرادفاً لـ “الإرهاب” في عناوين الصحف الغربية؟

​من هموم الورق إلى معركة الميدان

​يقول صالح إنه كلما كتب عن الإسلام وعن مغالطة ربطه بـ الإرهاب، كانت كتاباته تمرّ كأنها صرخة في وادٍ سحيق لا تجد الصدى المرجو. هنا، قرر أن يغير “خارطة الطريق”؛ فخرج من وراء مكتبه الصحفي بجوار البيت الأبيض، حاملاً لافتة خشبية بسيطة صنعها بيده، كتب عليها بوضوح: “ما هو الإرهاب.. وما هو الإسلام؟”.

​لم تكن تلك مجرد لافتة، بل كانت “مرافعة ميدانية” ودعوةً مفتوحة لزملائه من مراسلي الصحف العالمية ليتوقفوا قليلاً عن الركض خلف الخبر السريع، وينظروا إلى الحقيقة العارية. لقد أدرك أن الدفاع عن الهوية لا يكون دائماً بالمقالات الرصينة التي قد تضيع وسط ضجيج المطابع، بل بالمواجهة المباشرة التي تلمس ضمير صناع القرار والمارة في قلب العاصمة الأمريكية.
​واقع الإنسان بين “الحرب” والاعتزاز

​يشير صالح في رؤيته إلى أن هنالك “حرباً” تُشن على صورة المسلمين، تهدف لتشويه انتمائهم وجعلهم في موقف دفاعي دائم. لكنه، ومن خلال لافتته الخشبية ووقفته الشجاعة، قدم درساً في كيف يكون “المغترب” سفيراً فوق العادة؛ فهو لم ينعزل ولم يهاجم، بل استخدم لغة العقل في قلب المجتمع الذي يعيش فيه ليصحح له مفاهيمه، مؤكداً أن المسلم هو جزء بناء من هذا العالم وليس عدواً له.
​إن “مَطَبّات الطريق” التي يواجهها المهاجر اليوم، تتطلب روحاً تشبه روح محمد علي صالح؛ روحاً تجمع بين الأصالة السودانية والاحترافية العالمية. فالهوية ليست ثوباً نخلعه لنرتدي غيره في منافينا، بل هي “بصمة روح” تزداد وضوحاً كلما اشتدت الظروف وواجهنا محاولات وصم الدين بـ الإرهاب.

​ختاما :سلامٌ على حراس الحقيقة

​التحية لهذا الصحفي الشجاع الذي لم يكتفِ بنقل الخبر، بل جعل من نفسه “خيراً” ومن موقفه “رسالة”. والتحية تمتد بتقدير خاص للأستاذ الصحفي عبد المنعم شيخ إدريس، الذي كان الجسر الناقل لنا لهذا الخبر ولهذه المواقف الملهمة عبر صفحته، مساهماً بذلك في تمليكنا ناصية الحقيقة وتسليط الضوء على هذه الومضات المهنية الشامخة.

​إن قصة هؤلاء الرجال تخبرنا أن الدفاع عن النفس يبدأ من “الاعتزاز بالذات”، وأن الغربة قد تكون مَطبّاً يعيق مسيرتنا، أو قد تكون “منصة” ننطلق منها لنخبر العالم من نحن. وفي نهاية المطاف، يبقى الإنسان هو “الرسالة” الأقوى، وتبقى أفعاله هي “المقال” الأصدق الذي يفرق بين الحق والباطل، وبين جوهر الدين العظيم ودعاوى الظلام. سلامٌ على كل قلمٍ حر، وعلى كل من نقل الخبر بأمانة، وجعل من “مَطَبّات الطريق” معارج نحو النور والاعتراف.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole