*مطبات طريق: صلاة تحت الحصار في “أكسوم” ​بقلم: وداد الماحي*

​ليست القضية في مدينة “أكسوم” الإثيوبية مجرد منع بناء مئذنة أو جدران لمسجد، بل هي أعمق من ذلك بكثير؛ إنها قصة صراع بين “قدسية الموروث” وحق “الإنسان في الوجود”. حينما تخرج سيدة اليوم في بث مباشر لتتحدث بحرقة عن اعتداءات تطال نساءً تجمعن للصلاة، فإننا لا نتحدث عن حدث عارض، بل عن جرح نازف توثقه التقارير الدولية منذ سنوات طويلة دون حسم أو علاج.
​المطب الحقيقي هنا هو “جمود الحلول”؛ فمنذ سنوات – وتحديداً حينما وثقت التقارير الصحفية العالمية هذه المعاناة في عام 2019 – ولا يزال المسلمون في أكسوم يطالبون بأبسط حقوقهم الدستورية، لكن الرد لا يزال واحداً: “أكسوم مكة المسيحية.. ولن يُبنى فيها مسجد”. إن استمرار هذا المشهد لأكثر من سبع سنوات دون تدخل قانوني حاسم من السلطات الفيدرالية، هو ما شرعن “العنف الميداني” الذي نراه اليوم في مقاطع البث المباشر؛ حيث تحول المنع من “قرار إداري” بوقف البناء إلى “اعتداء بدني” يستهدف أجساد المصلين.
​أكسوم، التي تتدثر بالتاريخ وتعتبر نفسها حارسة للموروث، تعيش مفارقة تدمي القلب. فبينما يذكر التاريخ أن أرض الحبشة كانت أول ملاذ آمن للمسلمين الأوائل بفضل عدالة “النجاشي”، نجد اليوم من يرى أن مجرد “تجمع نساء للصلاة” في بيوت خاصة يستوجب الضرب والاعتداء. المطب هنا هو “انتقائية التاريخ”؛ حيث يُحتفى بالنجاشي كرمز للتسامح في الخطابات الرسمية، بينما يُحرم أحفاد من استقبلهم من ممارسة شعائرهم بسلام على أرض الواقع.
​وعلى الصعيد الأكاديمي والاجتماعي، يبرز مطب “الهوية مقابل التعليم”؛ حيث تضطر الطالبات لمواجهة ضغوط اجتماعية قاسية لخلع الحجاب، وهو التفاف ناعم وصامت على حق التعليم المكفول قانوناً. إن بقاء هذه القضية معلقة لسنوات، وتكرار ذات الشكاوى من الضرب والقمع، يضع الحكومة المركزية أمام اختبار “السيادة”؛ فهل أكسوم مدينة تخضع للدستور المدني الإثيوبي، أم هي إقطاعية دينية خارج حدود القانون؟
​ختاماً، إن أزمة أكسوم ليست أزمة بناء مآذن، بل هي أزمة “سيادة القانون” وقبول الآخر. وإلى أن يدرك الجميع أن قدسية الأرض تُحفظ بصون كرامة الإنسان وحقوقه، ستظل هذه “المطبات” تعيق طريق الاستقرار المجتمعي، وتؤكد أن “عدل النجاشي” يحتاج اليوم إلى ممارسة فعلية على الأرض تعيد للمواطنة هيبتها، لا مجرد استحضار للذكريات في بطون الكتب.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole