منذ أن أطلق البرهان يد منظومة الصناعات الدفاعية، التي يديرها الفريق مرغني إدريس، أحد أكثر رجاله قرباً وثقة داخل دائرة السلطة، لم تعد هذه المنظومة مجرد مؤسسة إنتاج عسكري، بل تحولت إلى ذراع مالية واقتصادية نافذة، تتحرك في الذهب والموارد والاستثمارات خارج أي رقابة حقيقية، وتغذي اقتصاد حرب صنعت منه شبكات المصالح مشروعاً للنفوذ والثراء.
وفي بلدٍ تجاوزت فيه قيمة طن الذهب 150 مليون دولار بفعل الارتفاع العالمي للأسعار، كان يفترض أن تتحول هذه الموارد إلى كهرباء ومستشفيات وإغاثة وإعادة إعمار، لا إلى صناعة أثرياء حرب ومراكز قوة مالية،فبحسب منظمة الدولية للهجرة، «بين كل ثلاثة أطفال في السودان يوجد طفل نازح، وبين كل شخصين هناك شخص يعاني الجوع»،هذا هو المشهد الحقيقي: بلد يملك الذهب، بينما شعبه يبحث عن الطعام والدواء والمأوى.
لكن بينما يعيش السودانيون هذه المأساة، تتشكل صورة أخرى تماماً.
ففي وقتٍ تُدعى فيه الناس إلى العودة إلى الخرطوم، تعيش العاصمة واقعاً مختلفاً: ظلام دامس، كهرباء منهارة، مستشفيات متوقفة أو شبه مشلولة، نقص حاد في الدواء والخدمات الأساسية، ومدينة تحتاج عملياً إلى إعادة تشغيل الحياة قبل أي حديث عن العودة.
وفي هذا التوقيت تحديداً، قامت منظومة الصناعات الدفاعية، بحسب المعلومات، بشراء قصور مطلة على النيل وعقارات فاخرة في الخرطوم من رجل الأعمال محمد خليل عثمان، في صفقة قُدّرت بنحو 22 مليون دولار، إلى جانب مزرعة في سوبا بنحو 3 ملايين دولار، جرى شراؤها من رجل أعمال قبطي سوداني،هذه الأصول،هذه تم شراؤها لصالح البرهان نفسه؛ الرجل الذي أطلق يد هذه المنظومة ومنحها هذا النفوذ المالي الواسع.
ولا يتوقف المشهد عند الداخل فقط، بل يمتد إلى سلوك دولة تبدو أولوياتها معكوسة بالكامل؛ إذ يُشترى قصر في جدة بملايين الدولارات من أميرة سعودية ليكون مقراً للقنصلية السودانية، بينما العاصمة نفسها تحتاج إلى بناء الحد الأدنى من الحياة: كهرباء، مياه، مستشفيات، وخدمات أساسية.
وفي السياق ذاته، تبدو بعض التحركات الخارجية مرتبطة، وفق هذا المشهد، بإدارة المصالح المالية أكثر من إدارة أزمة وطنية، فهناك تحرك إلى عُمان سعياً للحصول على ترخيص لمشروع مصفاة ذهب يديرها شقيق البرهان، إلى جانب تحركات مرتبطة بالبحث عن ترتيبات مصرفية ومنافذ مالية بديلة في ظل الضغوط والعقوبات الدولية. وهنا يتكرر مشهد مألوف لدى الأنظمة العسكرية؛ ذات النموذج الذي شهدته البلاد في عهد البشير، حين تمدد أشقاؤه، عبد الله والعباس، ومعهم جيش من شبكات القربى والمصالح داخل الاقتصاد السوداني، وتحول النفوذ السياسي إلى أداة للسيطرة على الموارد والأسواق، في مواجهة الرأسمالية الوطنية التي جرى تهميشها وإقصاؤها تدريجياً من المشهد،واليوم، تبدو المؤشرات وكأن البرهان يسير في الطريق ذاته؛ إعادة إنتاج اقتصاد السلطة نفسه، لكن بأسماء جديدة، بينما الخرطوم نفسها تغرق في العتمة والانهيار.
المفارقة الفادحة أن من يدعو الناس إلى العودة إلى الخرطوم، لم يوفر للخرطوم نفسها شروط العودة.
فلو أن جزءاً فقط من هذه الموارد وُجّه لإعادة الكهرباء، وتشغيل المستشفيات، وتأهيل شبكات المياه، ودعم الخدمات الأساسية، لكان المشهد مختلفاً بالكامل.
لكن الصورة التي تتشكل اليوم تقول شيئاً واحداً: ذهب يُستخرج، وأموال تتحرك، ونفوذ يتمدد، بينما المواطن لا يرى من كل ذلك سوى مزيد من الظلام والانهيار.
وحين تُشترى القصور بينما تنطفئ المستشفيات، وتُدار المصالح الخاصة بينما يجوع الناس وتتمزق البلاد، يصبح السؤال مشروعاً:
هل تُدار موارد السودان لإنقاذ الناس… أم لإطالة الحرب وحماية شبكات السلطة؟
نواصل
*في ملف إهدار ملايين الدولارات على شراء الشقق لأبواق السلطة في القاهرة*




