بين ركام البيوت وأصداء المدافع، يظنّ الواهمون أنهم سلبوا كل شيء؛ نهبوا الأثاث، استباحوا الجدران، وتركوا المكان قاعاً صفصفاً. لكنهم في غمرة انشغالهم بجمع “الحطام”، غفلوا عن الكنز الحقيقي الذي لا تصله أيديهم المرتجفة، ولا تدركه أعينهم التي أعماها الخراب.
أشارككم اليوم نصاً يقطر صموداً، كتبته ابنة خالتي لبنى الشيخ، إحدى صانعات الأمل ورائدات الأعمال اللواتي لم تزدها المحن إلا إصراراً. لبنى، التي بنت حلمها “حبة حبة” بشغف الصابرين، وقفت أمام صور بيتها ومشروعها الذي طال غيابها عنه، لتسطر بوجعها وفخرها هذه الكلمات
(لما أخوي رجع البيت قبل فترة… ورسل لي الصور… والله أول ما شفتها… قلبي وجعني شديد 💔. الزمن كان طال… وكنت مفكرة كل حاجة انتهت. الحلم التعبت فيهو… البراند القعدت أبنيو حبة حبة… خلاص راح. بس وأنا بتفرج في الصور… لقيت اسمي… لقيت البراند حقي لسه موجود 😔. وقفت ساكتة… ما عارفة أفرح ولا أبكي. سرقوا ممتلكاتنا… لكن ما قدروا يسرقوا أحلامنا. حسّيت بكل الحاجات الاتكسرت جواي.. لكن برضو حسّيت إنو في حاجة لسه واقفة… لسه مستنياني. البراند ده ما شغل ساي… ده تعبي… ده حلمي… ده جزء مني. يمكن الحصل كسرنا.. ويمكن تعبنا فوق الطاقة.. لكن لسه في أمل… وإن شاء الله لمن أرجع.. برجع أقوى… وأبني من جديد. حتتعدل… ونبقى تمام 💪🇸🇩)
مفتاح المدى: نبضٌ لا يعرف الانكسار
إنَّ صرخة “لبنى” ليست مجرد حديث عن “براند” أو تجارة خاسرة، بل هي بيانٌ عن “الهوية” التي لا تقبل المصادرة. فأن تجد اسمها لا يزال معلقاً على الجدران رغم السلب، هو إشارة سماوية بأنّ الجوهر باقٍ، وأنّ القشرة هي التي زالت.
يقولون إن الحرب تسرق المستقبل، لكن “لبنى” وأمثالها من الشباب السوداني المثابر يثبتون أن الحرب قد تؤجل الخطى، لكنها لا تملك القدرة على محو الوجهة. لقد سرقوا الأجهزة، والسيارات، ومدخرات السنين، لكن هل استطاعوا سرقة “الخيال” الذي صمم تلك العلامة التجارية؟ هل استطاعوا نهب “الإرادة” التي سهرت الليالي لتبني اسماً من عدم؟
إليكِ يا لبنى، وإلى كل حالمٍ أثقلت كاهله أوزار هذه الحرب:
احلموا، ثم احلموا، واتركوا لهم “الخشب والحديد”. فالحلم كالنور، لا يُحبس في غُرفة، والذكريات كعطر الياسمين، تفوح من تحت الأنقاض لتقهر رائحة الموت. إن “البراند” الذي تبكينه اليوم، هو بذرةٌ غُرست في أرض روحك، والأرض لا تخون زارعها أبداً.
ستعودين، وسنعود جميعاً، لا لنرمم ما انكسر فحسب، بل لنبني واقعاً أبهى وأقوى. فمن استطاع أن يبني حلمه من “الصفر” مرة، قادرٌ على بعثه من “الرماد” ألف مرة.
إنها إرادة الحياة، حين تهزم غريزة الفناء.. وحتماً حتتعدل.
ونواصل ….



