*مطبات طريق ​بقلم: وداد الماحي ​وزير الطاقة في أنقرة: محاولات لتخطي دمار الشبكة الكهربائية وإعادة البناء*

​في وقت يواجه فيه قطاع الطاقة في السودان تحديات هي الأعنف في تاريخه جراء الدمار الشامل الذي خلفته الحرب، تسابق الحكومة الزمن لتهيئة الأرضية لعودة المواطنين.
​وفي هذا السياق، حرص وزير الطاقة والنفط، المهندس المعتصم إبراهيم أحمد، على التدخل المباشر لتأمين سلاسل الإمداد، وتفقد سير العمل في مصنع Astor التركي لأنظمة الطاقة والمحطات التحويلية بالعاصمة التركية أنقرة.
​أبرز العقبات والحلول المطروحة:
​دمار البنية التحتية: خلّفت الحرب نقصاً حاداً في المحولات وتدميراً ممنهجاً للشبكات. الزيارة جاءت لضمان عدم توقف توريد المحولات الكهربائية، باعتبار مصنع Astor أحد الشركاء المعتمدين والموثوقين لتجاوز هذه الأزمة.
​التمويل واللوجستيات: لضمان تدفق المعدات دون عوائق بيروقراطية أو فنية، تم الاتفاق على إنشاء آلية تنسيق مشتركة تضم السفارة السودانية في أنقرة وشركة “سنكاد”، بهدف تفكيك أي عقبات لوجستية قد تعترض طريق الشحن والتوريد.
​الجودة والسرعة: يحتاج السودان إلى حلول مستدامة لا ترقيعية؛ لذا ركزت الزيارة على الاستفادة من القدرات الضخمة للمصنع التركي (الذي يعد الثاني كقوة إنتاجية في أوروبا ومورد لـ 90 دولة) لضمان دخول معدات ذات كفاءة عالية تسهم في استقرار الشبكة القومية مستقبلاً.
​أبعاد استراتيجية وقراءة في المشهد:
​من الواضح أن هذه التحركات تتجاوز الأبعاد التجارية الروتينية لتدخل في عمق الأمن القومي والاجتماعي السوداني؛ فالمحولات الكهربائية والمحطات التحويلية ليست مجرد سلع، بل هي “المفتاح الأساسي” لإعادة تشغيل المستشفيات، ومحطات المياه، والمرافق الخدمية التي بدونها لن تتحقق عودة حقيقية ومستقرة للمواطنين إلى مناطقهم.
​كما أن اللجوء إلى حليف اقتصادي قوي مثل تركيا – التي تمتلك إرثاً طويلاً وخبرة سابقة في قطاع الطاقة السوداني – يعكس توجهاً استراتيجياً لاختيار الشركاء القادرين على تلبية الاحتياجات الضخمة بسرعة وكفاءة في هذه المرحلة الحرجة.
​علاوة على ذلك، فإن إعادة الإعمار تمثل فرصة تاريخية لتحديث الفلسفة الكهربائية في السودان؛ فالربط مع مؤسسات عملاقة كـ Astor يمهد الطريق لإنشاء شبكة حديثة قادرة على استيعاب مشاريع الطاقة المتجددة (كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح) مستقبلاً، مما يقلل الاعتماد على الوقود الحراري المكلف ويضمن استدامة الإمداد.
​تحديات ما بعد التوريد (الواقع الميداني):
​بينما تنجح الوزارة في تأمين المعدات من الخارج، تبرز على السطح معركة أخرى داخل السودان تتطلب استعداداً موازياً، وتتمثل في:
​تأمين خطوط النقل: حماية هذه المحولات الضخمة والمكلفة أثناء نقلها إلى الولايات المختلفة وتركيبها في ظل الظروف الأمنية الراهنة.
​الكوادر الفنية: الحاجة الماسة لتهيئة وتأمين فرق الهندسة والصيانة السودانية التي ستتولى عمليات التركيب والربط الشبكي في المناطق المتضررة.
​خارطة طريق مقترحة لنجاح الاتفاق:
​لضمان تحويل هذه التفاهمات إلى واقع ملموس دون معوقات بيروقراطية، يتطلب المشهد التركيز على خطوتين:
​التفعيل الفوري لآلية التنسيق: بدء اجتماعات دورية عاجلة بين السفارة وشركة سنكاد لوضع جدول زمني دقيق للشحنات القادمة.
​شراكة التدريب وبناء القدرات: تمديد الاتفاق ليشمل برامج تدريبية عاجلة للمهندسين السودانيين داخل مصانع Astor، لضمان التداول السليم والتوطين المعرفي لهذه التكنولوجيا الحديثة.
​خلاصة المشهد وعين على الداخل:
​في نهاية المطاف، يبقى التحرك السوداني في أنقرة خطوة جادة في اتجاه تفكيك أزمة الظلام المعقدة التي فرضتها الحرب، وبناء شراكات دولية متينة تضمن تدفق شريان الطاقة.
​ولكن، يبقى المحك الحقيقي والـ “مطب” الأكبر الذي ينتظر هذه المحولات ليس في مصانع أوروبا أو موانئ التصدير، بل في سرعة وصولها وتركيبها لتضيء المستشفيات والمنازل. فالمواطن السوداني، الذي أرهقته قطوعات الكهرباء وأزمات الطاقة، لا ينظر اليوم إلى بروتوكولات التوقيع، بل ينتظر بشغف اللحظة التي يرى فيها النور يعود إلى أزقته ومدنه، لتبدأ معها رحلة الاستقرار الحقيقي وإعادة الإعمار.
​نسأل الله التوفيق والسداد لوزارة الطاقة والنفط في مقبل خطواتها، ومبارك لأهلنا هذا العطاء الذي نأمل أن يكون فاتحة خير لاسترداد عافية الوطن.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole