*رحيل سراج الصحافة السودانية..سامي الشناوي*

لا كخبرٍ عابرٍ في شريطٍ إخباري بارد، بل كأنّ قطعةً من ضوء هذه البلاد انطفأت دفعةً واحدة.
رحل ذلك الرجل الذي كان يشبه البيوت القديمة؛ دافئًا، نقيًّا، ومليئًا برائحة الناس الطيبين.
كان إذا مرّ، مرّت معه الأخلاق، وإذا تكلّم، خجل الضجيج من نفسه.
يوسف لم يكن صحفيًا فقط…
كان قلبًا يسير على قدمين.
كان من أولئك الذين خُلقوا بزيادةٍ في الرحمة، حتى بدا كأنّه غريبٌ عن هذا العالم القاسي.
وفي زمنٍ صار فيه الناس يتقنون النجاة ولو على جثث الآخرين، ظلّ يوسف وفيًّا لإنسانيته، نظيف الروح، ناعم القلب، لا يعرف القسوة طريقًا إليه.
وحين رحل…
لم يرحل وحده.
أصرّ أن يأخذ نصفه الآخر معه، كأنّه كان يعرف أن هذه الحياة بعده ستكون أشدّ وحشةً عليها من أن تُحتمل.
وكأنّه قال للموت:
“إن كان لا بدّ من الرحيل، فلن أترك روحي تمشي وحدها في هذا الخراب.”
أيُّ وجعٍ هذا الذي يجعل رجلًا يحتضن مصيره بكل هذا اليقين؟
وأيُّ حزنٍ يكفي لكتابة يوسف؟
يوسف الذي كان يشبه يوسف النبي؛
بياضًا في القلب، وعفّةً في الروح، ورسالةً تمشي بين الناس دون ضجيج.
كان يحمل الليل في عينيه، والرقة في صوته، والعروبة في ملامحه، والتربية في تفاصيله الصغيرة.
من يعرف يوسف يعرف أن الاحترام لم يكن تكلّفًا عنده، بل فطرة.
وأن الأخلاق لم تكن شعارًا يرفعه، بل طريقة تنفّسه.
لكن هذه البلاد المتعبة…
هذه البلاد التي صارت تبتلع أبناءها واحدًا تلو الآخر، لم تعد مكانًا يليق بأمثال يوسف.
فالأنقياء هنا يتعبون سريعًا، لأنهم يصطدمون كل يوم بوحشية العالم، وبالعبث الذي يملأ الطرقات والوجوه والقلوب.
رحل يوسف، وترك خلفه سؤالًا يحرق الروح:
كيف يموت الطيبون بهذه السرعة، بينما يواصل القبح عمره الطويل بلا عقاب؟
اليوم لا نبكي صحفيًا فقط…
نبكي أخلاقًا كانت تمشي بيننا.
نبكي زمنًا جميلًا اختصر نفسه في رجل.
نبكي إنسانًا لو خُيّرت المدن المنهكة أن تحتفظ بشخصٍ واحدٍ من هذا العالم، لاختارت يوسف دون تردّد.
نم هادئًا يا يوسف…
فلعلّ السماء التي أحببتَ نقاءها، فتحت لك أبوابها بالترحاب.
ولعلّ الملائكة التي تشبه قلبك، استقبلتك بالأحضان.
أما نحن، فسنظلّ نتلفّت في الممرات، نبحث عن وجهك، ونكتشف في كل مرة أن الأماكن بعد الطيبين تصبح أكثر برودة… وأكثر يتمًا.

سامي الشناوي

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole