حكي لي قاضي سابق و عضو لجنة عودة و دمج مقاتلي المقاومة الأفريقية في جنوب أفريقي و المعروفون باسم حراب الأمة umkhunto we sizwe المنتشرين في زامبيا انقولا ليسوتو و موزمبيق و حتي تنزانيا كيف ان الترتيبات كانت محكمة بحيث يعود كل الجنود الي معسكرات الجيش الذي كان ابيضا وقتها .
بقي الجنود لمدة شهر علي الاقل حيث تم تدريبهم من جديد علي أسس المصالحة و الدمج. عندما غادروا المعسكرات لزيارة ذويهم عادوا و هم يرتدون زي قوات الدفاع القومي لجنوب أفريقيا. محدثي هو خبير عالمي في شؤون الحركات المسلحة و كان أحد مستشاري سكرتير الأمين العام للأمم المتحدة ايام محادثات جوبا.
كان هذا الحديث في معرض التعليق علي اتفاقية جوبا و كيف كان مندهشا للسماح لقوات الحركات للدخول الي المدن و هم تحت امرة قادة حركاتهم و بأزياء الحركات المميزة.
مع اختلاف السياق الا ان عودة بعض قادة التمرد يعيد الي الذهن التهاون في أمر الانضباط العسكري و تحقيق ولاية الجيش علي هذه التشكيلات العسكرية خاصة و ان انشقاقهم جاء نتيجة خلافات قبلية أكثر منها قناعات وطنية. من المعروف دور حميدتي في اتفاقية جوبا و انتهازية الحركات و سكوت المدنيين.
لا شك عندي ان تفكيك المليشيا يمثل اولوية وطنية قصوي و إحداث ذلك او الاستفادة من الخلافات الداخلية أيا كانت دوافعها هو أحد وسائل هذا التفكيك و التعجيل بإنهاء التمرد و حرمان دولة العدوان الإماراتية من بيادقها علي الأرض لتنفيذ مخططها الشرير تجاه السودان .
من الأولوية بمكان ان نعمل و منذ الان علي وضع الأسس التي تعجل بإنهاء ثقافة تعدد الجيوش و المليشيات و استعادة الوضع الطبيعي بهيمنة و احتكار الجيش الوطني للسلاح كمدخل لسلام دائم و حل للخلافات عن طريق الحوار .
في ظل هذا الزخم و توقع عودة المزيد من قادة المليشيا يجب ان يكون إستيعابهم وفق برنامح مدروس و مخطط له و لا نستعجل بزجهم في العمليات كما لا يمكن القبول بهم و هم يحملون السلاح و هم يرتدون زي الجنجويد الذي صار مربوطا في اذهان المواطنين
بالارهاب و الموت و الاغتصاب.
مجرد انشقاقهم عن المليشيا هو أضعاف و هزيمة لها .
إدخالهم معسكرات للجيش يتيح فرصة انتقال من وضعية عدو الي حليف و تبني عقيدة عسكرية مختلفة و من أراد التخلي عن الجندية يسرح بدون سلاح.
عملية القبول بهم نفسيا و اجتماعيا تحتاج الي ذلك الزمن الفاصل ما بين صورتهم التي رسخت في الاذهان و ما بين ما يدعون من تغييرات تنزلت عليهم.
يجب الانتباه الي تجارب الإنسانية في عمليات العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا و رواندا و غيرها.
دمجهم في الجيش وفق الأسس و المعايير المتعارف عليها عالميا يشكل اساسا جيدا لبدء حوار شامل مع كل حملة السلاح من حركات و درع و براؤون للتعامل بالمثل و الا سوف يظل شبح إعادة سيناريو الحرب قائما يقض مضاجع الحريصين علي الوطن و سلامته.
في اعتقادي ان قضية تعدد الجيوش هي أم القضايا التي يجب إنجازها و هو ممكن اذا توفرت الارادة السياسية لدي كل الأطراف و هو انجاز من العظمة بمكان بحيث يتيح لقيادة الجيش الحالية ان تنزل الي المعاش و تكفر به عن ما الحقته بالشعب السوداني من أذي
د. بشير عثمان
بريتوريا




