مقدمة :
تنطلق الدكتورة أماني الطويل، الخبيرة في الشأن الأفريقي، في قراءتها للأزمة السودانية من منظور أكاديمي يرتكز على أدوات العلوم السياسية التقليدية؛ حيث ترى أن معضلة السودان الأساسية تكمن في غياب “الدولة المركزية الصلبة” وفشل النخب في صهر المجتمع داخل مؤسسات حديثة، معتبرةً أن ارتداد المشهد نحو الولاءات القبلية والأولية يعيق اكتمال المشروع الوطني ويخلق الحساسيات التاريخية تجاه الجارة الشمالية. ومن هذا المنطلق، يقدّم طرحها —ضمناً— النموذج المؤسسي المصري كمعيار للاستقرار التاريخي والسياسي، بينما يُنظر إلى السودان كحالة متعثرة وجديرة بالوصاية والرعاية الأمنية والإنسانية لتجاوز فوضى المؤسسات.
من هنا، توقفتُ طويلاً عند المقال الرصين الذي سطّره القانوني السوداني المقيم بواشنطن، حاتم أبوسن، وهو يعقّب على الدكتورة أماني الطويل. الكاتب وضع مبضعه على جرحٍ معرفيٍ غائر لطالما شوّه حائط العلاقات السودانية المصرية، وهو فخ “المعيارية الناعمة”؛ ذلك التصور الضمني بأن مصر هي “النموذج المكتمل” للدولة الحديثة، بينما السودان مجرد “تلميذ متعثر” في مؤخرة الصف التاريخي، لا يزال يتخبط في ولاءاته القبلية والأولية.
ولأننا في “مطبات طريق” لا نعشق التجريد النظري بقدر ما تهمنا حركة الأقدام الحافية على أرصفة الواقع، سأخذ تفكيك “أبوسن” الذكي من فضاء واشنطن الأكاديمي، لأهبط به مباشرة إلى شوارع القاهرة، حيث يعيش السودانيون اليوم أكبر اختبار جماعي لـ “عبقرية المجتمع” في مواجهة “فشل الدولة”.
لو أن ما جرى للسودان من تفتت كامل للمؤسسات، واحتراب العاصمة، والنزوح المليوني، حدث لدولة تقوم بالكامل على “المركزية الصلبة” والبيروقراطية الورقية، لانهارت البنية الاجتماعية في أسابيع، ولرأينا مجتمعاً يأكل بعضه بعضاً.
لكن الذي حدث في السودان، ويحدث الآن في منافي الشتات، يفضح عجز أدوات التحليل الأكاديمي التقليدي. فغابت الوزارات والسفارات، فنهضت “الروابط العائلية”، وتفجّرت “شبكات التكافل الأهلية” التي يراها بعض الأكاديميين إرثاً قبلياً متخلفاً، فإذا بها تتحول إلى طوق النجاة الوحيد.
ولعلّ المطب الأكبر الذي تقع فيه النظريات الجاهزة، هو عجزها عن قراءة ما تدور به عجلة الحياة اليومية في حواري القاهرة وأحيائها؛ حيث لم يعد الصمود حكراً على النسيج السوداني وحده، بل انصهر الشعبان معاً in تفاصيل عفوية تجاوزت كل الأطر الجامدة. لقد صنعت هذه الحرب الدائرة، على مرارتها وقسوتها، فرصة طيبة وتاريخية ليتعرف الشعبان على بعضهما البعض عن قرب، ووجهاً لوجه، بعيداً عن تزييف شاشات التلفاز، ومخاوف الكتل الثقافية التي طالما صوّرت واقعاً مخيفاً أو مشوهاً للآخر.
على رصيف الواقع وفي المطبخ المشترك، تداخلت المواريث وتبادلت النساء الثقافات والأكلات بكثير من المحبة والتدبير. فبينما دخل “الكشري” المصري إلى معظم البيوت السودانية ليصبح وجبة مألوفة، عرفت المرأة المصرية سر “الجبنة السودانية” بخصوصيتها العبقرية. وفي ذات الوقت، تعلمت المرأة السودانية من جارتها وابنة البلد المصرية أسرار الاقتصاد المنزلي؛ فصارت تعرف كيف تصنع “المحشي” الشهي بالأرز والخضار دون الحاجة للحم، متكيفة مع ظروف الشتات الصعبة وضغوط الحياة المعيشية.
هنا، في هذه المساحات الإنسانية الدافئة، يسقط وهم الأستاذية وتذوب المعيارية تلقائياً. هنا يكتب البسطاء من الشعبين وثيقة تكامل حقيقية بالخبز والملح والمواساة، وثيقة لم تصغها المؤتمرات، ولم تتوقعها الأقلام النخبوية المحبوسة في غرف التحليل الباردة.
إن هذا السوداني الذي تصوره بعض الأقلام كحالة “انفلات وفوضى” تحتاج إلى وصاية، هو نفسه الإنسان الذي يملك سيكولوجية فريدة في التكيف، وقدرة نادرة على المغامرة والصبر الأسطوري على قسوة الانهيار دون أن يفقد إنسانيته أو كبرياءه.
المشكلة الحقيقية لم تكن يوماً “أزمة هوية” أو نقصاً حضارياً أمام الجارة الشمالية، بل هي “أزمة حكم مزمنة” وتكالب خارجي أجهض مشروعنا الوطني. السوداني في منافي القاهرة أو غيرها، لا يبحث عن “شهادة اعتماد” من أحد، بل يحمل بداخلة إيماناً راسخاً بأن بلده يستحق أفضل بكثير من هذا الهوان السياسي العابر.
العلاقة الصحية بين ضفتي الوادي لن تستقيم أبداً ما دامت تُدار بمنطق “الأستاذ والتلميذ”. الاستقامة تبدأ حين يتوقف الطرفان عن سؤال “من يقود من؟”، ويلتفتان بكثير من التواضع المعرفي والاحترام المتبادل لسؤال أعمق: كيف يمكن لوادي النيل أن يكون فضاءً للتكامل الفعلي، يلتقي فيه ثقل الدولة التاريخية في مصر، باتساع الروح، وعبقرية الصمود المجتمعي، والموارد البكر في سودانٍ لا بد أن ينهض يوماً من تحت الرماد.
حفظ الله مصر والسودان، وجعلهما سنداً لبعضهما البعض، فهما صمام الأمان والعمق الاستراتيجي الأوحد لكليهما؛ يمرضان معاً، ويتعافيان معاً، ويبقى النيل شرياناً يروي حكاية شعبين لا تفصم عراهما نوائب الزمان.




