يُعد محمد سيد أحمد الجاكومي واحدًا من أكثر الشخصيات السياسية السودانية إثارةً للجدل والحضور خلال السنوات الأربع الأخيرة، ليس فقط بسبب موقعه السياسي داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي، وإنما لما لعبه من أدوار متشابكة في المشهد الوطني المعقد الذي أعقب التحولات السياسية العاصفة، وصولًا إلى حرب الخامس عشر من أبريل التي مزقت البلاد وأعادت تشكيل الخارطة السياسية والاجتماعية في السودان.
منذ اندلاع الحرب، برز الجاكومي كأحد الأصوات الشمالية التي تبنت خطابًا وطنيًا يقوم على ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ورفض أي مشاريع تُغذّي الانقسام الجهوي أو إعادة إنتاج الأزمة عبر المحاصصات الإقليمية الضيقة. وقد جاء موقفه في وقت كانت فيه البلاد تعيش حالة استقطاب حاد، حيث ارتفعت أصوات عديدة تنادي بتغليب الانتماءات الجغرافية والقبلية على حساب المشروع الوطني الجامع.
لقد تحرك الجاكومي، بحكم خبرته السياسية وعلاقاته المجتمعية والرياضية الواسعة، في أكثر من اتجاه، فكان حاضرًا في المنابر السياسية والإعلامية مدافعًا عن فكرة الدولة المركزية القادرة على استيعاب الجميع دون تمييز، كما سعى إلى مخاطبة الشارع بلغة بعيدة عن التحريض والكراهية، محاولًا ترسيخ قناعة بأن الحرب لا يمكن أن تُحسم لصالح فئة أو إقليم، وإنما بالحوار والتوافق الوطني.
ولم يكن دوره مقتصرًا على الجانب السياسي فحسب، بل ظهر كذلك كأحد القيادات المجتمعية التي سعت إلى تعبئة الجهود الإنسانية والاجتماعية خلال الأزمة، خصوصًا في مناطق شمال السودان التي استقبلت أعدادًا كبيرة من النازحين الفارين من جحيم الحرب. وقد ساهم، عبر علاقاته ومبادراته، في دعم جهود الإيواء والتكافل الاجتماعي، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة تعاني من حالة إنهاك غير مسبوقة.
وفي الجانب الرياضي، ظل الجاكومي محافظًا على حضوره المعروف داخل الوسط الرياضي السوداني، مستفيدًا من تأثير الرياضة كوسيلة لتخفيف الاحتقان المجتمعي وتعزيز روح الوحدة الوطنية، إذ ظل يؤكد أن الرياضة تمثل أحد الجسور القليلة القادرة على جمع السودانيين بمختلف انتماءاتهم تحت راية واحدة، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي الحاد.
كما أن مواقفه تجاه ما وصفه البعض بـ“مطالب الأقاليم” جاءت من منطلق رؤيته لوحدة السودان، حيث اعتبر أن معالجة المظالم التاريخية يجب ألا تتحول إلى منصة لتفكيك الدولة أو خلق مراكز قوى جديدة تقوم على الجغرافيا والعرق. لذلك تبنى خطابًا يدعو إلى العدالة والتنمية المتوازنة، ولكن ضمن إطار وطني شامل يحفظ تماسك البلاد ويمنع انزلاقها نحو سيناريوهات التفكك التي شهدتها دول أخرى في الإقليم.
ورغم اختلاف الآراء حوله، بين مؤيد يرى فيه سياسيًا صريحًا يمتلك الجرأة في طرح مواقفه، ومعارض ينتقد بعض تحركاته وتحالفاته، إلا أن المتفق عليه أن الجاكومي استطاع أن يفرض نفسه لاعبًا حاضرًا في المشهد السوداني خلال واحدة من أخطر الفترات التي مرت على البلاد. فقد تعامل مع الأزمة بعقلية السياسي الذي يدرك خطورة المرحلة، وبحسابات القيادي المجتمعي الذي يعرف أن الحفاظ على النسيج الوطني أصبح أولوية تتجاوز المكاسب الحزبية الضيقة.
إن قراءة تجربة محمد سيد أحمد الجاكومي خلال سنوات الحرب تكشف عن نموذج لسياسي حاول أن يوازن بين الانتماء الحزبي والهم الوطني، وبين العمل السياسي والعمل المجتمعي، في ظرف تاريخي بالغ التعقيد. وبينما لا تزال الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على السودان، يبقى الدور الذي لعبته الشخصيات الوطنية المؤثرة، ومن بينها الجاكومي، جزءًا مهمًا من النقاش حول مستقبل الدولة السودانية وإمكانية استعادة وحدتها واستقرارها.
مبارك محمد حسن
ناشط سياسي واجتماعي وحقوقي




