*الممشى العريض خالد أبو شيبة امرأة من نسيج المستحيل*

الحروب لا تقتل الناس بالرصاص وحده، أحيانًا تقتلهم بالفقد، بالقهر، بالخذلان، وبذلك الصمت البارد الذي يحيط بالموجوعين وكأنهم لم يكونوا يومٱ جزءاً من هذا الوطن الذي ما بارحته اللعنة ولا تريد.
ومن أكثر الوجوه التي سحقتها هذه الحرب وجه امرأة اسمها “مشاعر” امرأة لم تكن تحمل سلاحاً ولا مشروع كراهية، كانت فقط تحمل قلماً بصيراً وقلباً نظيفاً يتسع للجميع، وروحًا آمنت بهذا الوطن حتى الثمالة، وطن النجوم الذي اسكنته الشغاف وكتبت فيه أغنية وقصيدة وأهداها الودار أهداها الضياع وأهداها بدل الوردة سكينة وطلقة.
مشاعر لم تخسر بيتاً فقط، بل خسرت العمر كله دفعة واحدة رأت والدتها ترحل بسبب هذه الحرب اللعينة، ثم ابتلع الفقد أختها أيضاً، وكأن القدر قرر أن يختبر قلبها فوق احتماله الإنساني.
هربت مشاعر من دارها التي استوطنها الموت والخوف والالم، إلى ديار ما ألفتها ولا حلمت بالذهاب إليها في يوم من الأيام، وهناك باغتها المرض اللعين ليبدأ فصلًا جديدٱ من الوجع… فصلاً لا شهود فيه سوى الدموع المؤجلة. هذه المرأة لم يخذلها المرض وحده، بل خذلها البشر أيضٱ، خذلها زملاء مهنة كانوا يعرفون كم كانت نقية، عفيفة، عزيزة نفس فاختار بعضهم التربص والندالة بدل المساندة، خذلتها المؤسسات التي تتحدث كثيراً عن الإنسانية ثم تختفي عندما يحين موعد الوفاء.
لا نقابة صحافيين سألت، لا إتحاد التفت، لا زميل ولا صديق، لأحد طرق بابها ليقول: كيف حالك؟ وهي “بت الواطة” صديقة الشمس رفيقة الذرى حبيبة الانجم وأخت الثريات البعيدة.
تقاتل مشاعر اليوم وحيدة تحارب المرض، وتحارب الغربة، وتحارب الخوف على بنت وولد يريان أمّهما تنهار بصمت وتحاول رغم ذلك أن تبدو قوية أمامهما، تحبس دموعها حتى لا تُهزم، وتخفي وجعها حتى لا تُشفق عليها الحياة أكثر.
لكن النساء العظيمات لا يكسرهن الألم بسهولة.. ومشاعر ليست امرأة عادية… إنها واحدة من أولئك اللاتي يتعلمن كيف ينهضن من تحت الركام وهن ينزفن.. امرأة كلما ظنها الجميع انتهت، عادت أكثر صلابة، أكثر إيمانًا، وأكثر قدرة على تحدي المستحيل.
ستنتصر مشاعر ليس لأن الطريق سهل، بل لأنها خُلقت من معدن لا تهزمه العواصف.
ستقهر المرض، وستعبر هذا الليل الطويل، وسيشهد الجميع أن امرأة أنهكتها الحرب وخذلها البشر استطاعت رغم كل شيء أن تهزم السقوط.
فبعض النساء لا تُكتب سيرتهن بالحبر… بل بالأوجاع التي انتصرن عليها.. ستنجو مشاعر ورب الكعبة وستحلق حكايتها أعلى دفاتر التاريخ لتضيء نوراً على صفحاته وتستلهم الأجيال القادمة الصمود من حكاية امرأة علمت الصمود معنى الصمود.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole