*مطبات طريق ​صراع الذهبين: نفوق الماشية في مناطق التعدين بالسودان ​بقلم: وداد الماحي*

​طفرة الذهب الفرحانين بيها دي، تحولت لكابوس بيئي حقيقي بيمسح في ثروتنا الحيوانية مسح. القصة ما بقت مجرد حوادث عابرة، بل تحولت لظاهرة بتوجع القلب؛ نفوق جماعي ومستمر للضأن والإبل والأبقار في أقاليم التعدين. والمفارقة البيكتل عديل، إننا بنضحي بـ “الذهب الأبيض” المستدام عشان وسخ دنيا وفوق ده كله مورد ناضب، مما يضع مستقبل البلاد الرعوي على المحك.
​خريطة الوجع وفخ جفاف الصيف
​الكارثة دي لافّة أقاليم واسعة بسبب السموم وغياب التخطيط البيئي:
​شرق السودان وشماله: في مناجم البحر الأحمر ونهر النيل، المواشي بتموت بالكوم بعد ما تشرب من حفر “الكرتة” والأحواض المكشوفة الملوثة بالسيانيد والزئبق. ومع كتمة الصيف الحارة وجفاف الخيران، البهائم العطشانة بتمشي برجلينها للموت وبتشرب من الأحواض السامة دي، حيث شهدت منطقة “برير موجرا” نفوقاً جماعياً مأساوياً للقطعان، وامتدت الفجيعة مؤخراً لتسجل حادثة النفوق الأخيرة الحادة للضأن في منطقة “بربر” بسبب هذه المخلفات القاتلة.
​إقليم دارفور: التعدين العشوائي دخل عديل في “المراحيل” ومسارات الرعي التاريخية، ولوّث الوديان المصيرية التي تعتمد عليها القطعان بصفة خاصة.
​إقليم كردفان: انتشار الخلاطات العشوائية وسط المراعي خرب التربة والشجر، وبقت البهائم تموت فجأة، غير الإجهاض وتشوّه الأجنة البقطع قلب الرعاة.
​ضربة في العصب الاقتصادي والمعيشي
​خراب بيوت: البهائم دي هي “البنك المتحرك” للرعاة في شرق وغرب ووسط السودان، وموتها بالشكل ده بيفقرهم ويحولهم من منتجين وفخورين بمهنتهم لنازحين وباحثين عن خيارات بديلة قاسية.
​سموم في أكلنا: الخطورة لا تتوقف عند موت الحيوان، الكارثة الأكبر إن الزئبق والسموم دي بتتسرب لألبان ولحوم البهائم العايشة، وبتصل لبيوتنا وتجيب الفشل الكلوي والأورام، وده الفجّر المشاكل والاحتجاجات الأهلية لمنع المصانع دي وإبعادها عن القرى ومصادر المياه.
​سمعة الصادر: تلوث المواشي بالمعادن الثقيلة بيبهدل سمعة اللحوم السودانية برا، ويضعها تحت مقصلة الحظر الدولي، مما يحرم البلد من عملة حرة هي بأمس الحاجة ليها.
​كارثة في توقيت الأضاحي الحرج
​الموضوع ده خانقنا رقبة مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، وهو الموسم الأهم للمربين والمستهلكين:
​مخاوف الناس: أخبار التسمم الكيميائي خلت المواطنين يخافوا ويترددوا في شراء الأضاحي خوفاً على صحتهم وصلاحية الذبيحة، مما يضرب حركة السوق التقليدية في مقتل.
​جنون الأسعار: موت الأعداد المهولة دي بيعمل شُح في الخراف السليمة ويطير أسعارها في السماء، وفي نفس الوقت، في رعاة بيبيعوا بهائمهم بتراب القروش خوفاً من الموت المفاجئ، مما يهز استقرار الأسواق.
​خسارة الهدي: التلوث بيهدد صادر الهدي لأسواق الخليج الاستراتيجية، وبيقفل بوابات رزق وملايين الدولارات المفروض تدخل البلد في هذا التوقيت الحرج.
​الحلول.. قبل الفأس تقع في الرأس
​عشان ننقذ ما تبقى من هذه الثروة القومية، لازم نتحرك في الأرض فوراً:
​تفعيل الرقابة الشعبية بتشكيل لجان من الرعاة والمجتمعات المحلية لمراقبة التجاوزات البيئية وضمان سلامة المواشي قبل دخولها الأسواق والمسالخ.
​التحول للتعدين النظيف بإلزام المعدنين التقليديين ببدائل آمنة زي (البورق) بدل الزئبق، وإجبار الشركات على تدوير المياه وتدمير السيانيد كيميائياً داخل دورة مغلقة.
​تأمين المراحيل والمحميات الرعوية بعيداً عن مناطق الذهب، وإلزام أصحاب المناجم بتسوير الأحواض القاتلة دي فوراً وتطهيرها، مع إقرار تعويضات عادلة للرعاة المتضررين.
​الذهب الأصفر بيكمل ويغور، لكن الأرض والمراعي و”الذهب الأبيض” هم عصب الحياة الممتد لقرون، وما ممكن نكتل ده عشان داك، خصوصاً ونحن واصلين على أعتاب عيد الأضحى المبارك.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole