*عودة لجنة إزالة التمكين… معركة لم تُحسم بعد.. أحمد عبد الحميد*

حين أُعلن عن عودة لجنة إزالة تمكين نظام 30 يونيو 1989، لم أشعر أن الأمر مجرد خبر سياسي عابر، بل كأن صفحة قديمة قد فُتحت من جديد… صفحة لم تُطوَ أصلًا؛ لأن الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها هي أن ما يُسمى بالحركة الإسلامية في السودان لم تغادر المشهد يومًا، بل غيّرت جلدها فقط.
نعم، سقط نظام عمر البشير، لكن النظام نفسه لم يسقط بالكامل. فالشبكات، والمصالح، والنفوذ داخل الدولة، والاقتصاد الموازي… كلها بقيت تعمل في صمت، تنتظر اللحظة المناسبة للعودة.
ولذلك، فإن عودة لجنة إزالة التمكين ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تأخرت كثيرًا.
الحركة الإسلامية… من الحكم إلى الظل
لم تكن المشكلة يومًا في أشخاص بعينهم، بل في منظومة كاملة بُنيت على التمكين لا على الكفاءة، وعلى الولاء لا على القانون.
هذه المنظومة لم تُفكك فعليًا، بل تم تعطيل محاولة تفكيكها. وعندما توقفت اللجنة، لم يكن ذلك حيادًا، بل كان بمثابة هدية مجانية لمن كانوا ينتظرون فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم.
اليوم، من يتابع المشهد بوعي يدرك أن عناصر النظام السابق لم تختفِ، بل توزعت داخل مؤسسات الدولة، والإعلام، وحتى في بعض مراكز القرار. بل أكثر من ذلك، هناك محاولات مستمرة لإعادة تسويقهم كـ”جزء من الحل”، في تجاهل فاضح لدورهم في صناعة الأزمة.
لماذا يخافون من اللجنة؟
لأن هذه اللجنة تمس جوهر مشروعهم: المال والنفوذ.
تفكيك التمكين لا يعني فقط إبعاد أشخاص من مناصبهم، بل يعني ضرب شبكة مصالح معقدة تمتد لسنوات طويلة، وفتح ملفات كانوا يظنون أنها دُفنت إلى الأبد.
ولهذا، كلما ذُكر اسم اللجنة، ارتفعت أصوات التشكيك:
“تسييس”، “انتقام”، “تجاوزات قانونية”…
لكن السؤال البسيط هو: لماذا لا يطالب هؤلاء بإصلاحها بدلًا من إلغائها؟ ولماذا يكون الحل دائمًا هو إيقافها بالكامل؟
الإجابة واضحة: لأن وجودها في حد ذاته مقلق.
عودة متأخرة… لكن ضرورية
صحيح أن عودة اللجنة تأتي في وقت بالغ التعقيد، في ظل حرب وانقسام سياسي حاد، لكن هذا لا يُلغي أهميتها، بل ربما يزيدها إلحاحًا؛ لأن أي حديث عن استقرار دون تفكيك جذور الأزمة ليس سوى وهم.
لا يمكن بناء دولة حديثة بوجود دولة موازية في الظل،
ولا يمكن الحديث عن عدالة في ظل وجود من يملك المال والنفوذ دون مساءلة.
بين العدالة والانتقام
أنا لا أدافع عن أخطاء اللجنة السابقة، إن وُجدت.
فأي عمل بهذا الحجم لا بد أن تصاحبه تجاوزات، لكن الخطأ لا يُعالج بإلغاء الفكرة، بل بتقويمها.
المطلوب اليوم ليس لجنة ضعيفة تُرضي الجميع، بل لجنة قوية، عادلة، شفافة، تعمل وفق القانون… ولكن دون خوف أو تردد.
الخلاصة
المعركة الحقيقية في السودان ليست فقط على السلطة، بل على طبيعة الدولة نفسها:
هل تكون دولة قانون ومؤسسات؟
أم دولة تُدار من خلف الستار بواسطة شبكات قديمة؟
عودة لجنة إزالة التمكين هي اختبار حقيقي:
إما أن تكون بداية لاستعادة الدولة…
أو مجرد جولة أخرى في صراع لم يُحسم بعد.
أحمد عبد الحميد

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole