*أحزاب الخراب… عندما تصبح السياسة السودانية مجرد مقبرة للضمير*

في السودان اليوم لم تعد الأحزاب السياسية كيانات مؤسساتية تُبنى على المبادئ والأفكار والرؤية بل أصبحت رموزًا للعجز المزمن وشواهد على الفشل وأدوات لخدمة المصالح الشخصية للزعامات القديمة هذه الأحزاب التي تتحدث اليوم عن الديمقراطية عن حماية الشعب وعن نقد الكيزان هي نفسها التي شاركتهم الحكم في أوقات مضت هي نفسها التي وقّعت على توزيع المناصب والحقائب الوزارية وتناوبت على السلطة معهم كما لو كانت لعبة لوحية كل طرف يأخذ نصيبه والبلد يُترك للنيران والفوضى
السودان يحترق منذ عقود والملايين من أبنائه نزحوا عن ديارهم ومئات الآلاف فقدوا حياتهم أو أُصيبوا بجروح لا تلتئم والمدن تنهار تحت وطأة الحروب والفوضى لكن الأحزاب تتفرغ لخطابات رنانة بيانات سياسية مطاطة مؤتمرات صحفية تصنعها الصورة أكثر من المضمون وصراعات داخلية على الكراسي والمناصب تشغلها عن الوطن كأن السياسة في السودان أصبحت لعبة مسرحية خطاب كبير صراخ على الفضائيات تقارير مطولة عن الديمقراطية لكن لا أثر عملي يلتمسه الناس في حياتهم اليومية
قادة هذه الأحزاب غالبًا ما يتصرفون كما لو أن الحزب ملكهم الشخصي وراثة سياسية يُمنحونها لأبناء أسرهم أو لأقربائهم وأصدقائهم بينما يتركون شعوبًا بأكملها تُهمل وتُحرم من أي رؤية مستقبلية الزعامة في هذه الأحزاب ليست مسؤولية وطنية بل أداة لإشباع الأنا الشخصية ووسيلة لضمان البقاء السياسي على حساب كل شيء آخر الأحزاب التي تصرخ اليوم ضد فساد الكيزان كانت بالأمس جزءًا من المنظومة نفسها تتقاسم معهم المناصب وتوقّع على قرارات كان لها تأثير مباشر على حياة ملايين السودانيين وكانت شريكة في الفساد والهيمنة التي تتهمهم بها اليوم
والأدهى من ذلك أن بعض هذه الأحزاب ما زالت تحاول أن تقدم نفسها كمعارضة وطنية صادقة بينما تاريخها الكامل يشهد على مشاركتها في الخراب صفقات سرية مع الكيزان توافقات خلف الكواليس تقسيم الوزارات تمكين حلفاء النظام السابق وتحجيم أي مشروع حقيقي لإصلاح الدولة هذه الأحزاب التي اليوم تصرخ ضد ممارسات الكيزان هي نفسها التي أعطتهم شرعية مزيفة عبر مشاركتها في الحكم وهي نفسها التي ساهمت في خلق بيئة سياسية سمحت لهم بالتمدد والهيمنة
السودان لم يعد يحتمل هذه الازدواجية هذا النفاق السياسي هذه الأكاذيب المكررة على مدى عقود الأحزاب التي فشلت في قيادة البلاد وفشلت في معارضة النظام وفشلت في بناء أي مشروع وطني مستدام تجرّ الشعب السوداني إلى مزيد من الفوضى والانقسامات الفشل الحزبي يترجم مباشرة إلى ضعف الدولة وانهيار المؤسسات وفقدان الحقوق وتوسيع دائرة الصراع أما من يظن أن مجرد رفع شعار المعارضة يكفي لإصلاح البلاد فهو يعيش في عالم موازي لا يعرف حقيقة الخراب الذي تعيشه مدن السودان ومخيمات النازحين والريف والمدينة
لقد أصبح واضحًا أن جزءًا كبيرًا من أزمة السودان اليوم هو أزمة أحزاب قبل أن تكون أزمة دولة الأحزاب التي فقدت كل إحساس بالمسؤولية والتي تبرر إخفاقها خلف خطاب نحن نقود المعارضة هي نفسها التي صنعت بيئة فساد وأرست قواعد انهيار الدولة الزمن الذي كان يسمح بإخفاء العجز خلف الشعارات والخطب الرنانة قد انتهى اليوم الشعب السوداني يرى الخراب بعيونه ويرى أن هذه الأحزاب لم تعد سوى أدوات للحفاظ على مصالح ضيقة لا لإنقاذ وطن بأكمله
وإذا أردنا أن نكون صادقين مع التاريخ فإن العديد من هذه الأحزاب التي تصرخ ضد الكيزان اليوم لا تختلف عنهم في الجوهر تبحث عن المناصب تتنافس على الحقائب الوزارية تتاجر بالمواقف السياسية وتنسى الشعب تمامًا نفس الزعامات نفس العقلية نفس الحسابات الصغيرة التي تجعل من الوطن مجرد طاولة لتوزيع المنافع الشخصية الشارع السوداني الذي يئن اليوم من الجوع والحرب والتهجير لم يجد في هذه الأحزاب أي دعم حقيقي ولم يسمع إلا وعودًا فارغة وكلامًا معسولًا
السودان اليوم يحتاج إلى قيادات جديدة أحزاب جديدة عقل سياسي حقيقي يعرف أن الوطن أكبر من الزعامات الصغيرة أكبر من الصراعات الشخصية أكبر من المنافع الضيقة يحتاج إلى أحزاب حقيقية تُعيد للسياسة روحها وتعيد للمواطن ثقته وتعيد للثورة مسارها وإلا فإن كل هذه الأحزاب ستظل مجرد لافتات بلا روح مجرد رموز للعجز وستظل سببًا في استمرار الخراب وستظل الشواهد الحية على فشل السياسة السودانية.

إن التاريخ لن يرحم هذه الأحزاب، لأنه لا يكتب إلا الحقيقة. والواقع السوداني يقول بوضوح: الأحزاب التي لم تتغير، الأحزاب التي لم تتعلم من أخطاءها، الأحزاب التي شاركت الكيزان في الحكم وتقسيم المناصب، هي نفسها التي ستظل تتحمل مسؤولية الخراب الذي يعيشه الوطن اليوم، وستظل سببًا في استمرار المعاناة لشعب كامل. السودان لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الشعارات الرنانة، بل يحتاج إلى أحزاب حقيقية تتنفس الوطن، وتضع الشعب أولًا قبل أن تفكر في الكرسي، وتعيد للأمل السياسي قيمته قبل أن تضيع البلاد إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole