*ودارت الدوائر ما وراء المذاهب.. استراتيجية التحصين بالهوية الجامعة ​بقلم: وداد الماحي*

​في “دوائر” السياسة الدولية، لطالما كانت الهويات الفرعية —سواء الطائفية أو العرقية— هي الثغرة التي تُنفذ منها مشاريع التفتيت وإعادة هندسة المنطقة. ومن هنا، تكتسب تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة ثقلاً استراتيجياً يتجاوز البعد الديني المباشر، حين أعلن بوضوح: “ليس هناك دين اسمه السنة أو الشيعة، وإنما هناك دين واحد فقط وهو الإسلام”.
​إن هذا الخطاب، في جوهره، هو محاولة جادة لفك الارتباط بين “المعتقد الفقهي” و”التوظيف السياسي”، وهو المسار الذي نراقبه بدقة في تحليلنا لموازين القوى الإقليمية.
​تفكيك دوائر الصراع
​حين يرفض رأس الدولة التمييز على أساس الأصل أو اللغة أو المذهب، فهو لا يتحدث فقط عن قيم أخلاقية، بل يضع حجر الأساس لـ “الأمن القومي المتماسك”. ففي مناطق النزاع التي نتابع ملفاتها، نجد أن “تسييس المذاهب” كان الوقود الأبرز لحروب الوكالة التي استنزفت مقدرات الشعوب وعطلت مسارات التنمية.
​إن الانتقال من “دوائر الصدام المذهبي” إلى “دائرة الانتماء الجامع” يمثل ضرورة استراتيجية لعدة أسباب:
​سد الثغرات الأمنية: إنهاء حالة الاستقطاب يقطع الطريق أمام القوى الدولية التي تستخدم “الأقليات” أو “المظلوميات الطائفية” كأدوات للتدخل في الشؤون السيادية للدول.
​إعادة صياغة القيادة الإقليمية: تقديم نموذج الدولة التي تستوعب التنوع (العرقي والمذهبي) يمنح أنقرة مرونة أكبر في التحرك داخل محاور متناقضة، ويحولها من “طرف في صراع” إلى “مرجعية للاستقرار”.
​توطيد السلم الاجتماعي: رفض التمييز على أساس “الأصل واللغة” هو الضمانة الوحيدة لنجاح مشاريع إعادة الإعمار؛ فلا يمكن بناء عمران مادي فوق نسيج اجتماعي ممزق.
​الخلاصة الاستراتيجية
​إن دعوة أردوغان لـ “دين واحد” هي في الحقيقة دعوة لـ “كتلة حرجة موحدة” في مواجهة التحديات العالمية. هي محاولة لإغلاق دوائر الخلاف التاريخي التي لم تعد تخدم سوى أعداء المنطقة، وفتح دوائر جديدة قوامها “المواطنة” و”المصالح المشتركة”.
​بينما تدور الدوائر حولنا بصراعاتها المعقدة، يبقى الرهان الحقيقي على القدرة على استعادة “المركز الجامع” الذي يذيب الفوارق ويحمي الكيان من التآكل الداخلي.

بينما تضيق دوائر الصراع المذهبي وتتسع دوائر المصالح الدولية.. هل تعتقدون أن الخطاب السياسي القائم على ‘الهوية الجامعة’ قادر وحده على تفكيك ألغام الطائفية التي زُرعت في منطقتنا طوال عقود
و هل ينجح خطاب ‘تجاوز المذاهب’ في التحول من شعار سياسي إلى مشروع استقرار حقيقي يُنهي حقبة ‘حروب الوكالة’ في مدننا المنكوبة؟”

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole