*حين يرحل الطيبين… يكسّر شيء في القلب لا يُرمَّم*

تمنّيت يا خالتو فوزية من أعماق قلبي أن يكون خبر رحيلك مجرد كذبة ثقيلة أو خطأ قاسٍ أو حتى حلمٍ مظلم نستيقظ منه فجأة فنعود إلى حياتنا كما كانت تمنّيت أن يرنّ الهاتف فأسمع صوتك ذلك الصوت الذي كان يحمل دفئاً لا يشبه أي صوت صوت امرأةٍ لم تكن مجرد خالة بل كانت قطعة من الروح نفسها

لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة من قدرة القلب على الاحتمال
الحقيقة أنكِ رحلتِ…
ورحيلك لم يكن غياب إنسان فقط بل كان انكسار جزء من حياتي

لم أفقد اليوم خالةً فقط أو احد من العائلة لقد فقدت صديقتي التي كنت أهرب إليها من ضجيج العالم فقدت أنيستي التي كانت تعرف كيف تجعل الحزن أقل ثقلاً فقدت أمي الثانية التي كانت تحيطني بحنانها كما لو كنت قطعة من قلبها فقدت امرأة كانت تعرفني جيداً تعرف صمتي وتفهم وجعي دون أن أحتاج إلى شرح

يا خالتو…
كنتِ واحدة من أولئك الناس الذين لا ينتبه إليهم العالم كثيراً لكنهم في الحقيقة العمود الخفي للحياة كنتِ طيبة إلى حدٍ يجعل وجودك نفسه نعمة كنتِ من ذلك الجيل النادر من النساء اللواتي كنّ يصنعن الدفء في البيوت ويزرعن الطمأنينة في القلوب دون أن ينتظرن شيئاً في المقابل

وجودك كان يشبه ظل شجرة أو مثل ضوءٍ صغير في نهاية ليلة طويلة

لهذا يبدو رحيلك الآن كأن شيئاً من الضوء قد انطفأ

الوجع الحقيقي يا خالتو ليس في البكاء فالبكاء لحظة ويمضي الوجع الحقيقي هو ذلك الصمت الثقيل الذي يأتي بعده ذلك الفراغ الذي يظهر فجأة في الأماكن التي كان يملؤها صوتك في الأيام التي كانت تبدأ بسؤالك في اللحظات الصغيرة التي كانت تمرّ عادية لكنها كانت تحمل حضورك

اليوم أدرك كم كان وجودك عظيماً في حياتنا لأن غيابك كبير إلى هذا الحد

رحلتِ يا خالتو…
وكأن الموت يواصل طريقه في عائلتنا بلا رحمة يأخذ الطيبين واحداً بعد الآخر لحقتِ بأبي ذلك الغياب الذي لم يهدأ وجعه في القلب منذ أن أخذته السماء أبي الذي ترك فينا فراغ الأب الذي لا يُملأ أبداً وذكراه التي تسكن القلب مثل دعاء لا ينقطع

ولحقتِ بخالو عبد القادر الرجل الطيب الذي كان حضوره يشبه السكينة رجل لم يكن صاخباً في الحياة لكنه كان عظيماً في طيبته

ولحقتِ بجدتي… أمكِ تلك المرأة التي كانت روح البيت وجذره العميق المرأة التي كانت تجمعنا حولها كما تجمع الشجرة أبناءها تحت ظلها

كأن السماء يا خالتو تجمع الطيبين حولها واحداً بعد الآخر
وتتركنا نحن هنا نحاول أن نتعلم كيف نعيش بدونهم

أتعلمين ما هو أكثر ما يؤلم في رحيلك؟

ليس الموت نفسه…
بل تلك الحقيقة القاسية أنني لن أراك مرة أخرى

لن أسمع صوتك لن أضحك معك لن أجلس بجانبك كما كنت أفعل دائماً لن يكون هناك حديث عابر أو نصيحة بسيطة أو تلك النظرة الحنونة التي كانت تقول لي إن الدنيا مهما قست ستظل بخير

كل تلك الأشياء الصغيرة التي لم نكن ننتبه لقيمتها أصبحت اليوم أكبر من قدرتنا على الاحتمال

يا خالتو فوزية…
كنتِ حبيبة القلب بحق لم تكوني مجرد اسم في العائلة بل كنتِ جزءاً من روحي كنتِ إنسانة قريبة إلى درجة أن وجودك كان يبدو بديهياً كأنك ستبقين دائماً هنا

لكن الموت يعلّمنا دائماً الدرس نفسه
أن الذين نحبهم لا يبقون

رحلتِ يا خالتو…
ورحيلك لم يأخذك وحدك بل أخذ معه جزءاً من طفولتي وجزءاً من أيامنا القديمة وجزءاً من البيت الذي كان يضجّ بوجودكم جميعاً

اليوم أشعر أن الزمن يطوي صفحات كاملة من حياتنا كلما رحل واحد من هؤلاء الطيبين نشعر أن جذورنا نفسها تهتز وأن العائلة تفقد أحد أعمدتها الصامتة التي كانت تحمل الكثير دون أن تشتكي

رحيل الأخيار موجع لأنهم لا يتركون وراءهم إلا الخير… والخير حين يغيب يصبح العالم أكثر قسوة

يا خالتو…
يا صديقتي…
يا أنيستي…
يا أمي الثانية…
يا حبيبة القلب…

لم أكن مستعدة لوداعك لم أكن مستعدة لأن أتعلم كيف أعيش في عالمٍ لا توجدين فيه تمنّيت من أعماقي أن يكون رحيلك مجرد حلم مجرد لحظة عابرة نستيقظ بعدها فنراكِ جالسة بيننا كما كنتِ دائماً

لكن القدر لا يسألنا إن كنا مستعدين للفقد

رحمكِ الله يا خالتو فوزية رحمة واسعة وجعل قبرك نوراً وسكينة وجمعك بمن سبقوك من الطيبين في جناتٍ لا وجع فيها ولا فراق

رحم الله أبي… ذلك الاسم الذي ما زال يسكن القلب كأجمل وجع
رحم الله خالو عبد القادر… الرجل الذي علّمنا معنى الطيبة
رحم الله جدتي… أم الخير التي كانت قلب العائلة وروحها

أما نحن…
فسنبقى هنا نحمل ذكراكم مثل جمرٍ هادئ في القلب جمرٍ لا ينطفئ وحنينٍ لا يهدأ

وكلما اشتدّ الحنين سأقول لنفسي ما تمنّيته منذ اللحظة الأولى
ليت رحيلك يا خالتو كان حلماً…
ليتني أستيقظ الآن فقط…
فأجدك ما زلت هنا

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole