*موكب السلطة… حين تتحرك الدولة فوق سيارات فارهة بينما يسير الشعب حفاة*

في السودان المنهك بالحرب والجوع والانهيار لا يحتاج المواطن إلى تقارير اقتصادية كي يعرف أن الدولة مختلة بل يكفيه أن يقف على جانب الطريق لدقائق حين يمر موكب أحد أعضاء مجلس السيادة ليرى الحقيقة كاملة تتحرك أمام عينيه عشرات العربات الفارهة تلمع كأنها خرجت من صالات العرض العالمية صفوف طويلة من الحراسات المدججة بالسلاح سيارات دفع رباعي حديثة جنود يفتحون الطريق وصفارات تقطع الشارع بينما يقف المواطن الذي يملك بالكاد ثمن رغيف خبز يتفرج على مشهد يبدو كأنه قادم من بلد غني بالنفط لا من وطن ينهار تحت الركام في تلك اللحظة فقط يفهم السوداني البسيط أن هناك دولتين في هذا البلد دولة تعيش في المواكب الفارهة والحراسات الكثيفة والامتيازات المفتوحة ودولة أخرى تعيش في الظلام والجوع والصفوف الطويلة والانكسار
السؤال الذي يحترق في صدور الناس ليس سؤالا سياسيا معقدا بل سؤال بسيط ومباشر من أين تصرف كل هذه الأموال من أين تأتي قيمة هذه السيارات التي تساوي ثمن مستشفيات كاملة من أين تدفع رواتب هذه الحراسات التي يمكن أن تطعم آلاف الأسر التي باتت تعيش على حافة المجاعة من أين تأتي تكلفة هذا البذخ السياسي في بلد لا يجد فيه المرضى سريرا في مستشفى ولا يجد فيه الطالب مقعدا في مدرسة ولا يجد فيه المواطن ماء نظيف يشربه
السودان اليوم بلد جريح المدن مدمرة القرى محروقة ملايين النازحين يعيشون في الخيام والعراء الأطفال يموتون من سوء التغذية المستشفيات أغلقت أبوابها لأن الدواء غير موجود والكوادر الطبية إما هاجرت أو أصبحت تعمل بلا راتب الكهرباء صارت ضيفا نادرا والمياه تنقطع لأيام طويلة ومع ذلك تتحرك السلطة في مواكب مترفة كأنها تعيش في عالم آخر لا يرى هذا الخراب ولا يسمع صرخات الجوع
ما يحدث ليس مجرد تفاوت في مستوى المعيشة بين الحاكم والمحكوم بل فضيحة أخلاقية كاملة لأن السلطة التي تحكم بأسم الشعب لا يمكن أن تتحرك بهذا القدر من الترف بينما شعبها يغرق في الفقر هذه ليست قيادة وطنية بل طبقة سياسية صنعت لنفسها جزيرة من الامتيازات وسط بحر من المعاناة
الأكثر إيلاما أن هذه المواكب لا تحمل فقط السيارات الفارهة بل تحمل رسالة قاسية تقول للمواطن البسيط إن السلطة تعيش فوقه لا معه وإن المال العام يمكن أن يتحول بسهولة إلى رفاهية خاصة لحفنة من المسؤولين بينما يترك الشعب ليصارع الجوع وحده وكأن الدولة ليست مسؤولة عنه
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح أين الشفافية أين الحساب أين الأرقام التي تقول للشعب كم تصرف الدولة على مواكب المسؤولين وكم تنفق على حراساتهم وامتيازاتهم ووقود سياراتهم وصيانتها وسفرهم وإقامتهم في الفنادق لأن المواطن يرى بعينه أن هذه المواكب لا يمكن أن تكون رخيصة وأن هذا البذخ لا يمكن أن يحدث في دولة مفلسة إلا إذا كان المال العام يدار بلا رقابة وبلا احترام لمعاناة الناس
إن الحراسات الكثيفة التي تحيط بأعضاء السلطة لا تعكس قوة الدولة بل تعكس خوفها لأن المسؤول الذي يحتاج إلى هذا العدد من البنادق حوله يعرف في داخله أن الفجوة بينه وبين الشعب أصبحت واسعة وأن الغضب يتراكم في صدور الناس يوما بعد يوم فالسلطة التي تشعر بثقة شعبها لا تحتاج إلى كل هذه الجدران البشرية المسلحة أما السلطة التي تخشى شعبها فإنها تحتمي بالسيارات المصفحة والحراسات الثقيلة
المفارقة المؤلمة أن الدولة التي فشلت في حماية قرى بأكملها من القتل والنهب استطاعت أن توفر حماية كاملة لمواكب المسؤولين الدولة التي عجزت عن تأمين الطرق للمواطنين استطاعت أن تغلق الطرق كاملة حين يمر موكب مسؤول الدولة التي لم تستطع حماية النساء في القرى البعيدة نجحت في حماية سيارات السلطة وكأن قيمة المعدن أصبحت أعلى من قيمة الإنسان
إن المشكلة ليست في سيارة فارهة هنا أو موكب هناك بل في العقلية التي ترى السلطة امتيازا لا مسؤولية وترى الدولة غنيمة لا أمانة وترى المال العام بابا مفتوحا للصرف بلا حساب هذه العقلية هي التي صنعت هذا المشهد القاسي الذي يراه السودانيون كل يوم حين تمر مواكب السلطة بينما يمشي المواطن على قدميه فوق طرق مكسورة
التاريخ علم الشعوب درسا بسيطا السلطة التي تنفصل عن شعبها بهذا الشكل لا تبقى طويلا لأن الفجوة حين تصبح عميقة إلى هذا الحد تتحول إلى غضب والغضب حين يتراكم يتحول إلى زلزال سياسي لا تستطيع أي حراسات ولا أي سيارات مصفحة أن توقفه
السودان لا يحتاج إلى مواكب جديدة ولا إلى سيارات أفخم ولا إلى حراسات أكثر ما يحتاجه هذا البلد هو سلطة تشعر بالخجل حين ترى شعبها جائعا سلطة تدرك أن المسؤول الحقيقي يجب أن يعيش قريبا من الناس لا بعيدا عنهم سلطة تفهم أن المال العام ليس ملكا شخصيا لمن يجلس على الكرسي بل هو حق لمواطن ينتظر منذ سنوات طويلة أن يرى دولة تحترم إنسانيته
لأن أخطر ما في هذا المشهد ليس السيارات نفسها بل الإهانة التي يشعر بها المواطن حين يرى وطنه الفقير يتحول إلى استعراض للسلطة فبينما تتحرك سيارات المسؤولين في الشوارع الواسعة تتحرك في صدور الناس أسئلة ثقيلة من يحاسب من يراجع من يقول كفى لأن الوطن الذي يتسع لمواكب البذخ يجب أن يتسع أيضا لعدالة تحمي حق الفقراء قبل أن تحمي رفاهية الحكام.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole