*بريق وحريق حروف متمردة.. بقلم: رفيدة ياسين*

طالما اخترت، بكامل وعيك ورغبتك، الدخول إلى فضاء العمل العام، فعليك أن تدرك أنك لا تدخل جنة مغلقة، بل شارعًا مفتوحًا على كل الاحتمالات.

قد تمرّ بحديقة يفوح عبير أزهارها في الأرجاء، وقد تجد نفسك مضطرًا لعبور مجرى صرفٍ صحيٍّ رائحته الكريهة خانقة. كلاهما جزء من الطريق، وكلاهما لا يمنحك حق التذمّر ما دمت قد اخترت السير بإرادتك.

في هذا العالم، ستلتقي بأناس من خلفيات متباينة وثقافات متناقضة.

ما تراه أنت نشازًا قد يكون لدى غيرك مألوفًا، وما تعتقده قيمةً راسخة قد يراه الآخرون عبئًا.

العمل العام ليس مرآةً لذاتك، بل ساحة تصطدم فيها الذوات، وتتقاطع الرؤى والقناعات، وتُختبر القدرة على الاحتمال.

كثيرون يركضون خلف الأضواء، مفتونين ببريقها، غير مدركين أن لكل نورٍ ظلًّا، ولكل بريقٍ حريقًا.

فالشهرة ليست ضوءًا دافئًا فحسب، بل نارًا قد تحرق من يقترب منها بلا استعداد أو وقاية.

الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر، الذي رأى أن الإنسان محكوم بنظرة الآخر إليه، وصف الجحيم بأنه الآخرون؛ لا لأنهم أشرار بالضرورة، بل لأن أحكامهم، وتوقّعاتهم، وإسقاطاتهم، قد تتحول إلى عبء منهك إن لم يكن المرء محصنًا من الداخل

إن قررت دخول هذا العالم، فتهيّأ له جيدًا.

اجعل “ريموت كنترول” مشاعرك بيدك أنت وحدك.

لا تنتشي كثيرًا بالمدح، ولا تنكسر أمام القدح.

فالمدح قد يكون أحيانًا فخًا ناعمًا، والذمّ اختبارًا قاسيًا لمقدار الثقة في النفس.

الثبات الانفعالي ليس رفاهية أخلاقية، بل شرط وجودي في العمل العام.

هنا أتذكر قول ماركوس أوريليوس، الإمبراطور الرواقي الذي حكم نفسه قبل أن يحكم الإمبراطورية:

“اختر ألا تتأذى، ولن تشعر بالأذى”.

فالأذى لا يبدأ من الخارج، بل من اللحظة التي نسمح فيها للضجيج أن يقتحم توازننا الداخلي.

ببساطة، إن لم تكن معدًّا نفسيًا وفكريًا لخوض هذا الغمار، فلا تغامر.

فالعمل العام لا يرحم الهشاشة، ولا ينتظر من يتعثر ليواسيه.

هو كالقطار لا يتوقف إلا في محطات الوصول المتوقعة مسبقًا.

إن لم تكن تعرف محطتك، قد يؤخرك… وربما يدهسك.

لذا، إن قررت الدخول، فعليك أن تكون مستعدًا لدفع الفواتير كاملة:

الصبر، الاحتمال، سوء الفهم، الاستهداف والتأويل المتعمّد.

هذه الفواتير قد تتضمن خسائر محدودة ومكاسب عظيمة، إن عرفت قواعد اللعبة جيدًا.

وقواعد اللعبة هنا أن يكون هدفك التأثير وإحداث فارق، لا الشهرة فقط.

عليك أن تصبر طويلًا حتى تكتسب مناعة ذاتية، تحصّنك من تقلبات الآراء بشأنك، وتمنحك القدرة على عزل مشاعرك عن الردم ومحاولات الاستهداف.

نحن لا نعيش زمن العنف المرئي فقط.

فالبلطجة اليوم لم تعد محصورة في السلاح الأبيض أو اليد الغليظة.

هناك أسلحة أشد فتكًا وراءها أبطال من ورق، وأصابع خبيثة غير مرئية، وقلوب صدئة، وعقول خاوية.

أدواتها:

حسابات مجهولة، حملات تشويه مدفوعة، محاولات تهكير، وصفحات عامة تُدار وفق خوارزميات الغضب، وتُسوَّق الكراهية فيها كسلعة، ويُعاد تدوير التشهير باعتباره “رأيًا عامًا”.

هنا لا يُستهدف الجسد، بل السمعة.

ولا يُغتال الإنسان جسديًا، بل يُغتال معنويًا.

وهذا أخطر أشكال العنف، لأنه يحدث باسم الحرية، ويُبرَّر بلغة السوق الإلكترونية.

هنا عليك أن تكون مدركًا أن القوة لا تعني القسوة، بل الوعي.

أن تعرف متى تصمت، ومتى تتجاهل، ومتى لا تسمح للضجيج أن يعيد تعريفك بطريقة مشوّهة.

العمل العام ليس لمن يبحث عن التصفيق،

ولا لمن يقيس قيمته بعدد الإعجابات و”الشير”.

هو لمن يملك جلدًا سميكًا وقلبًا متزنًا،

ولمن يستطيع الوقوف طويلًا في المساحة المتزنة…

حيث لا النور مطلق، ولا النار غالبة،

أن تعرف متى تظهر، ومتى ترتاح في الكواليس.

هناك فقط يُختبر الإنسان.

وهناك فقط يتبيّن:

هل كان البريق غاية؟

أم أن النجاة من الحريق… هي الحكمة.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole