*الفن بين الجرأة والانحلال.. كاشا النيل نموذج الرداءة*

ما تقدّمه المدعوة كاشا النيل تحت لافتة الفن ليس تجربة جمالية ولا حتى فشلاً شريفًا في المحاولة بل نموذج صارخ لانحدار الذائقة حين تُسلَّم المنصات لمن لا يملكون أدوات ولا معرفة ولا احترامًا للحدود الأخلاقية التي بدونها يتحوّل كل ادعاء إلى إساءة نحن أمام خطاب صوتي نشاز ونصوص مرتخية خاوية وأداء يعتمد على التعري اللفظي والبصري لا على أي بناء فني أو لغوي لكن كل هذا السوء كان يمكن تجاوزه بوصفه ذوقًا رديئًا لولا أن صاحبه قرر القفز فوق الخط الأحمر والتطاول على الذات الإلهية متذرعًا بالجرأة والحداثة وكسر التابوهات وكأن تدنيس المقدّس صار شرطًا للاعتراف وكأن الاستفزاز بات بديلاً عن المعنى
هنا لا يعود النقاش خلافًا في الرأي ولا صراع أذواق بل يتحوّل إلى مسألة أخلاقية ومعرفية بامتياز لأن الفن مهما تمرّد وتحرّر لا يُبنى على الإهانة ولا يستمد شرعيته من السخرية أو المعتقدات ولا يصنع قيمته عبر الصدمة الرخيصة ما يحدث هو خلط متعمّد بين الحرية والفوضى وبين الجرأة والوقاحة وبين الإبداع والعجز فحين يفشل النص يعلو الصراخ وحين يغيب العمق يُستدعى الاستفزاز وحين تنعدم الموهبة يُستثمر الغضب العام بوصفه وسيلة للانتشار
الأخطر من الفعل نفسه هو منظومة الترويج التي تحيط به منظومة التأثير الزائف التي تُقدّم هذا الانحطاط بوصفه تمثيلًا للسودان فتختزل تاريخًا ثقافيًا عريقًا في مقاطع راقصة وعبارات مبتذلة وسلوك فجّ لا يضيف معرفة ولا يفتح سؤالًا بل يسيء للناس وللبلد في آن واحد هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم صفة مؤثرين لم يؤثروا إلا في تآكل صورة المجتمع ولم يتركوا سوى أثر سطحي مشوّه حتى بات الانحطاط موضة والضجيج قيمة والإساءة حقًا مكتسبًا يُدافع عنه بحجة الحرية
ليس على الاختلاف بل على الإهانة وليس على الجرأة بل على انعدام المسؤولية الإساءة المتكررة للناس والسخرية المتعمدة بحثًا عن لفت الانتباه ليست شجاعة فكرية بل سلوك مأزوم يعكس فراغًا داخليًا وعجزًا عن بناء قيمة حقيقية خارج دائرة الاستفزاز من يحتاج إلى إهانة الآخرين لا يمتلك قوة ومن لا يعرف كيف يُنتج معنى يلجأ إلى الصدمة ليعوّض فقره المعرفي.
إن تحويل الإيذاء اللفظي والرمزي إلى بطولة وتقديم السقوط الأخلاقي بوصفه تحررًا ليس علامة صحة ثقافية بل مؤشر خلل عميق في فهم الفن ودوره فالفن ليس مساحة لتفريغ العقد ولا منصة لتصفية الحساب مع المجتمع ولا ساحة استعراض العجز على حساب المقدّس وحين يُمسّ المقدّس وحين تُهان كرامة الناس بأسم الإبداع تسقط كل الأقنعة ويصبح من الواجب تسمية ما يجري باسمه الحقيقي ليس فنًا ولا حداثة ولا شجاعة بل رداءة مُقنَّنة وانحطاط يُراد له أن يصبح طبيعيًا عبر التكرار والترويج
المجتمع الذي يتسامح مع هذا الانزلاق لا يدافع عن الحرية بل يشارك في تدمير المعايير ويُفرغ الثقافة من معناها ويسلّم الفضاء العام لمن لا يملكون سوى الضجيج والمساءلة هنا ليست قمعًا بل ضرورة لأن الدفاع عن معنى الفن هو في جوهره دفاع عن حق الناس في ذائقة لا تُهان وحدود لا تُكسر بالابتذال وفضاء عام لا يتحوّل إلى مكبّ للإساءة باسم التأثير
على وزارة الثقافة واتحاد الفنانين أن يتحمّلوا مسؤوليتهم كاملة دون أي تهاون وأن يضعوا حدًا حاسمًا لكل تجاوز باسم الفن وأن يفرضوا معايير أخلاقية صارمة لا مساومة فيها تفصل بين الإبداع الحقيقي والعبث بين الجرأة والفجور وبين الفن والانحلال وأن يمنعوا ظهور كل من يسيء للذائقة العامة أو يتطاول على المقدسات أو يتفوه بعبارات غير محترمة كما يجب محاسبة من أجاز صوت كاشا النيل ومنحها المنابر لأن السماح بهذا الانفلات ليس حرية والفن لا يُحمى إلا بالصرامة والمحاسبة الفورية والحازمة.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole