*الحملات على الأجانب في مصر: بين ضغط الواقع… واصطياد المياه العكرة* *أمل أبوالقاسم*

في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا واقتصاديًا، تتصاعد الحملات الشرطية على الأجانب في مصر، ولا سيما السودانيين، بما أثار موجة من القلق والجدل والأسئلة المشروعة. والحقيقة أن هذا المشهد لا يمكن اختزاله في سبب واحد أو قراءته بوصفه حالة استهداف مباشر، بقدر ما هو نتاج تداخل معقّد لعوامل متعددة، أسيء في كثير من الأحيان إدارتها إعلاميًا وإنسانيًا، ففتحت الباب واسعًا للشائعة ولمن يجيدون اصطياد المياه العكرة.

بدايةً، لا يمكن تجاهل ضغط الأعداد والواقع الاقتصادي. فمصر تستضيف ملايين الأجانب واللاجئين والمقيمين، ويشكّل السودانيون الكتلة الأكبر بينهم، خاصة بعد اندلاع الحرب الشاملة في السودان. هذا الوجود الكثيف جاء في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وضغط متزايد على الخدمات العامة كالتعليم والصحة والإسكان، إضافة إلى حساسية ملف الدعم والوظائف. في هذا السياق، يصبح سعي الدولة لإعادة ضبط الوجود الأجنبي مفهومًا من حيث المبدأ، ولا يعني بالضرورة استهداف جنسية بعينها، لكنه يتحول إلى إشكال حقيقي حين يُدار دون أدوات احتواء واضحة أو خطاب تواصلي كافٍ وهو ما فتح الباب واسعا للتأويلات.

ومن زاوية أخرى، تؤكد الرواية الرسمية أن هذه الحملات تندرج في إطار تنظيم الإقامة، فالأهداف المعلنة تتركز على ضبط المخالفين لشروط الإقامة، وإنهاء حالات الإقامة غير القانونية، ومنع العمل دون تصاريح. وقد عزز هذا التوجه ما أعلنته سفارة السودان بالقاهرة خلال مؤتمر صحفي عقدته أمس الجمعة، حيث أكدت أن الحملات مرتبطة بالمخالفات وتقنين الوجود، وأن إجراءات الترحيل لا تتم إلا عبر القنوات الرسمية وبالتنسيق مع السفارة لمنح وثيقة اضطرارية. وبيّنت أن عدد المرحّلين خلال هذا الشهر وحده بلغ نحو 300 شخص ونيف، وهو رقم محدود إذا ما قورن بحجم الضجة والأرقام المبالغ فيها والمجافية للمنطق.

أما العامل الأمني، فهو حاضر بطبيعة الحال، لكنه ليس العامل الحاكم. فمع وجود أعداد كبيرة من الوافدين، وحرب مشتعلة على الحدود الجنوبية، وحالات التهريب أو تزوير الأوراق، وغيرها من مخالفات وسلوكيات سالبة تبرز الهواجس الأمنية كجزء من الصورة. غير أن السفارة السودانية أوضحت في المؤتمر ذاته أن عدد السودانيين المقبوض عليهم على ذمة قضايا مختلفة في السجون المصرية يبلغ نحو 400 شخص فقط، وهو رقم – مقارنة بملايين السودانيين المقيمين – يعكس مستوى عاليًا من الانضباط، ويفنّد محاولات التعميم أو الوصم الجماعي.

وفي سياق متصل، يمكن قراءة جانب من هذه الحملات بوصفه رسالة موجهة إلى الداخل المصري أكثر من كونها موجهة للأجانب أنفسهم. فالدولة، في لحظة ضغط شعبي واقتصادي، تسعى إلى طمأنة الرأي العام بأنها تسيطر على الحدود والداخل. ويتزامن ذلك مع تصاعد خطاب على وسائل التواصل الاجتماعي يربط الأزمة الاقتصادية بالأجانب بصورة تبسيطية وغير عادلة، وهو خطاب لم يُواجَه بما يكفي من التفنيد الرسمي أو الإعلامي الرشيد لأن العكس هو الصحيح.

غير أن أخطر ما شهده هذا الملف مؤخرًا كان انفلات الشائعة، لا سيما تلك التي رددتها إحدى الصحفيات البارزات في مصر، وزعمت فيها وجود اتفاق بين حكومتي السودان ومصر لتضييق الخناق على السودانيين لإجبارهم على العودة. وهي رواية نفتها السفارة السودانية نفيًا قاطعًا خلال المؤتمر الصحفي، واعتبرتها ادعاءً لا أساس له من الصحة، لما أحدثه من بلبلة وقلق واسع، إلى الحد الذي دفع السفير السوداني إلى مطالبة السلطات المصرية بمساءلة الصحفية المعنية. هذه الواقعة كشفت بوضوح كيف يمكن لكلمة غير مسؤولة أن تتحول إلى أزمة رأي عام عابرة للحدود.

ويبقى جوهر الأزمة في ضعف القنوات الرسمية المخصصة للتعامل مع أوضاع السودانيين على المدى المتوسط. فلا يوجد حتى الآن إطار قانوني واضح لتسوية الأوضاع، ولا كارت حماية مؤقت فعّال، ولا تنسيق مؤسسي كافٍ بين الجهات المعنية والمفوضية السامية للاجئين. ونتيجة لذلك، تتحول أزمة إنسانية في أصلها إلى ملف أمني إداري، يُدار أحيانًا بأدوات لا تتناسب مع طبيعته وتعقيداته. وخلال هذه الجزئية ننتظر مخرجات لقاء خلال هذا الأسبوع بين سفارة السودان في القاهرة والمفوضية بحسب السفير “عماد عدوي” .

وفي هذا الفراغ، وجدت جهات عديدة ضالتها. منصات إعلامية موجّهة، وحسابات رقمية تبحث عن التفاعل، وأطراف سياسية خارجية، جميعها التقطت المشهد وأعادت إنتاجه بصورة مشوّهة. جرى تضخيم حالات فردية، واجتزاء مقاطع بلا سياق، وترويج روايات عن “استهداف ممنهج”، في تجاهل متعمد للأرقام والوقائع الرسمية. وهكذا تحولت الشائعة إلى أداة ضغط نفسي وحرب إعلامية، أربكت الجاليات وأضعفت الثقة وهددت نسيج علاقة تاريخية بين شعبين.

وخلاصة القول إن ما يجري في مصر ليس حملة عداء ضد السودانيين، لكنه في الوقت ذاته ليس نموذجًا ناجحًا لإدارة ملف لجوء ضخم ومعقّد. إنها إدارة قاسية ومرتبكة أحيانًا، يدفع ثمنها من هم الأكثر عددًا، والأقل حماية قانونية. وبين حق الدولة في التنظيم وحق الإنسان في الكرامة، لا تزال المسافة بحاجة إلى سياسات أكثر هدوءًا وشفافية.

إن مصر، بما لها من ثقل وتجربة، تحتاج إلى سياسة احتواء وتنظيم واضحة، لا سياسة مفاجآت ومداهمات. ويحتاج السودانيون، في المقابل، إلى صوت قانوني وإعلامي رشيد يشرح أوضاعهم بإنصاف، بدل أن يُتركوا فريسة للشائعة وخطاب الشارع. ودون ذلك، ستظل المياه العكرة مغرية للصيادين، على حساب الحقيقة والاستقرار والإنسان.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole