*الممشى العريض خالد أبو شيبة وداعًا عبداللطيف الهادي*

رحل الصديق والزميل الصحافي عبد اللطيف الهادي، صباح اليوم، وبرحيله المفجع تطوى صفحة من النبل والإنسانية والمهنية والصبر على المكاره. واليوم وأنا أنعيه لا يسعني إلا تذكر كل الأيام المشرقة برفقته سواء في العمل أو الحياة، فمنه تعلمنا الالتزام المهني، والشفافية والمثابرة والانحياز إلى الحق.
وبأسى وحزن أقول:
مات عبد اللطيف يوم أن تركناه لوحده في مواجهة المرض والفقر وهم النزوح والخراب، مات يوم أن مارسنا الأنانية وبخلنا عليه حتى بالسؤال، لا اتحاد صحافيين لا نقابة لا جمعية رياضية، ولا “نادي الهلال” الذي لم يتبق من قيمه إلا الذكريات وصنيع المؤسسين، الهلال الذي لطالما أحبه (أبو إيحاء) وأسكنه الشغاف وحدق العيون؛ نافح ودافع وقاتل من أجله. للأسف جميعنا مارسنا التقصير، مارسنا الجبن والهروب، فما أسوأنا، ما أتفهنا، وما أقسى الوطن الذي ننتمي إليه، الوطن الذي يقول عبد اللطيف كلما أتواصل معه أنه خلق ليكون عظيمًا وسيظل عظيمًا رغم أنف المقامرين الصغار، الذين لن تفلح كل محاولاتهم البئيسة في تقزيمه، وشتان ما بين صور الأمنيات الزاهية وصور الواقع الحطام.
مات عبد اللطيف يوم أن أضرم الساقطون التافهون النار على جسد الوطن، ليحرقونا ويحرقوه ويحولوه إلى رفات من حطام، وقد نجحوا بكل أسف في أن يحولوه إلى وطن آخر، وطن ظالم ومظلم، لا شيء فيه إلا الظلم والإظلام، ففي هذا الوطن الممزق بعد أن لفظنا وشتتنا بالمنافي وأهدانا الضياع والودار، تعلو قيمة التافهين مثلما يعلو هتاف الموت وسفك الدماء على هتاف السلام والحياة.
سنظل نردد وبملء الفم أن هذا الوطن الذي يقرر في مصيره عاطلو الموهبة من تجار الحروب وصانعي الأزمات، يشبه من يتحكمون فيه الآن من القتلة الذين يأكلون من مائدة الشواء الآدمي، ويحتسون من دماء المغدورين من أبناء الشعب، هذا وطن نحن منه براء، فوطننا غائب ومختطف؛ وسنظل ندعو الله آناء الليل وأطراف النهار بأن يرد غربته.
رحمك الله أخي عبد اللطيف وجعل ما واجهته من معاناة كفارة لكل ذنوبك، فحقك الذي سُلب منك ستجده هناك بإذن الله العدل المنتقم الجبار في الجنة أم نعيم، الجنة أم قصر، رفقة حميد ومصطفى وصلاح حاج سعيد، أصدقاؤك الأوفياء، وإن كان لنا طلب وأنت الآن بين يدي عزيز مقتدر أن تسلِّم عليهم وتخبرهم أننا في شوق للقياهم، فباطن الأرض أرحم من ظاهرها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole