*حين تتحول الأكاذيب إلى سياسة رسمية*

حاولت المليشيا وداعموها كتابة أكثر من سيناريو وقالوا إنهم قابلوه وإنه اجتمع بقيادات ميدانية وإنه بخير ويتابع التفاصيل وإن ظهوره العلني مؤجل لأسباب أمنية وتبدلت الروايات وتغيرت الأماكن وتعددت القصص لكن الحقيقة الثابتة أن محمد حمدان دقلو لم يظهر ظهوراً مباشراً حياً واضحاً يقطع الشك باليقين
في زمن لا تحتاج فيه الحقيقة إلى أكثر من بث مباشر لدقائق يصبح غياب الدليل دليلاً بحد ذاته وحين تُستبدل الكاميرا بالشائعات ويُستبدل الصوت الحي ببيانات منسوبة فإننا لا نكون أمام إدارة إعلامية ذكية بل أمام محاولة لإدارة فراغ ثقيل لا يريد أحد الاعتراف به
القضية لم تعد خبراً عن لقاء مزعوم أو رسالة منسوبة بل أصبحت نمطاً متكرراً من صناعة القصص كل بضعة أيام رواية جديدة وكل رواية تُبنى على سابقتها دون أن تقدم برهاناً حاسماً هذا التراكم لا يعزز المصداقية بل يضعفها لأن التنظيم الواثق من وجود قائده لا يحتاج إلى وسطاء يسردون مشاهد غير موثقة القائد الحاضر يتحدث بنفسه ويظهر بنفسه ويخاطب قواعده دون غموض
وإذا كان السؤال في السابق يُطرح بصيغة الاستفهام فإنه اليوم لم يعد سؤالاً بل تأكيداً أن الرجل غير موجود على سطح البسيطة لأن الحضور الحقيقي لا يُدار بالبيانات ولا يُثبت بالقصص المتداولة بل يُحسم بظهور واضح وصريح وكل ما عدا ذلك يظل محاولة لإطالة أمد رواية لم تعد تقنع حتى أقرب المتابعين
ما يجري يوحي بأن هناك خشية عميقة من لحظة الاعتراف لأن الاعتراف لا يعني إعلان وفاة فرد فقط بل يعني فتح باب مرحلة جديدة بالكامل مرحلة تتطلب إعادة توزيع القوة داخل التنظيم ومرحلة قد تخرج فيها صراعات مكتومة إلى السطح فالمليشيات بطبيعتها تقوم على مركز واحد للثقل وعلى شبكة ولاءات شخصية وحين يسقط هذا المركز تبدأ الأسئلة الصعبة من يملك القرار من يسيطر على الموارد من يحظى بولاء الميدان
لذلك يصبح اختراع سيناريوهات اللقاء محاولة لتجميد هذه الأسئلة ولمنعها من التحول إلى صراع داخلي مبكر يتم ضخ الروايات في الفضاء السياسي لطمأنة القواعد ولإقناع الحلفاء بأن الأمور تحت السيطرة لكن السيطرة الحقيقية لا تثبت بالكلمات بل بالوقائع
البعد الأخطر في هذا المسار هو تآكل الثقة داخل الصفوف المقاتل الذي يسمع رواية اليوم ثم يسمع رواية مختلفة غداً يبدأ في إعادة الحسابات والشك حين يدخل إلى القاعدة لا يمكن إخراجه بسهولة وإذا ترسخ الشك في مسألة مصيرية كهذه فإنه يهز الثقة في بقية الخطاب كله لأن التنظيم الذي لا يصارح أتباعه في أكبر قضية قد لا يصارحهم في ما دونها
ثم هناك الخارج الداعمون الإقليميون وشبكات المصالح يدركون أن استمرار الغموض ليس علامة قوة بل علامة ارتباك وكلما طال أمد الإنكار دون دليل مباشر تزايد التفكير في ترتيبات ما بعد الرجل حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة
المفارقة أن كثرة السيناريوهات تكشف ما تحاول إخفاءه لو كان الوجود مؤكداً لكان المشهد بسيطاً ظهور واحد واضح بالصوت والصورة وتاريخ ينهي الجدل لكن حين يُستعاض عن هذا الظهور بسلسلة روايات غير قابلة للتحقق فإن الرسالة الضمنية تصبح أقوى من البيان المعلن
في النهاية لا يمكن إدارة معركة كبرى عبر قصص متحركة وبيانات منسوبة الغياب إن كان حقيقة فلن تمحوه الكلمات والحضور إن كان واقعاً فلا يحتاج إلى كل هذا الجهد لإثباته وما بين الروايات المتعددة والصمت الثقيل يترسخ الانطباع بأننا أمام محاولة لإدارة مرحلة ما بعد الرجل قبل الاعتراف بها رسمياً وأن الإنكار لم يعد وسيلة دفاع بل أصبح دليلاً إضافياً على أن مركز الثقل لم يعد قائماً كما كان وأن المشهد يتغير مهما تأخر الإعلان

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole