دنقلا، المدينة الضاربة في عمق التاريخ، ليست مجرد حاضرة في أقصى شمال السودان، بل ذاكرة مفتوحة على حضارات تعاقبت، وآثار تحكي قصة كوش والممالك النوبية، وطبيعة خلابة تتعانق فيها الجبال مع النيل والصحراء. هذه المدينة تملك كل المقومات لتكون عاصمة للسياحة في السودان، إذا ما توفرت لها الرؤية والتخطيط والإرادة.
إن الهدف الاستراتيجي يتمثل في تحويل دنقلا إلى وجهة سياحية رئيسية تعزز الاقتصاد المحلي، وتخلق فرص عمل للشباب، وتروج للثقافة السودانية في أبهى صورها. ولتحقيق ذلك، لا بد من خطة متكاملة تنطلق من البنية التحتية وتصل إلى التسويق الدولي.
أولى الخطوات تبدأ بتطوير البنية التحتية، عبر تحسين شبكة الطرق والمواصلات لتسهيل الوصول إلى المواقع السياحية، والارتقاء بالفنادق والمرافق الخدمية بما يواكب المعايير الحديثة، إلى جانب توفير خدمات الإنترنت والاتصالات لضمان تجربة مريحة للسياح المحليين والأجانب. فالسياحة اليوم لا تقوم على الجمال وحده، بل على جودة الخدمات أيضًا.
أما كنوز دنقلا الأثرية والطبيعية، فهي القلب النابض للمشروع. من المواقع الأثرية والأهرامات والمناطق الجبلية والمتاحف، إلى ضفاف النيل الساحرة، كلها تحتاج إلى تسليط الضوء عليها من خلال تنظيم رحلات سياحية منظمة، وإنشاء مراكز حديثة للزوار تقدم معلومات تاريخية وثقافية بأساليب جذابة.
ولا تكتمل الصورة دون تعزيز الثقافة المحلية. فالمهرجانات والفعاليات التراثية قادرة على جذب الأنظار وإحياء الهوية، كما أن دعم الحرف اليدوية والصناعات التقليدية يسهم في تمكين المجتمعات المحلية اقتصاديًا. ويمكن إنشاء مراكز للتعليم الثقافي لتعريف الزوار بتاريخ المنطقة وتراثها العريق.
في عصر الإعلام الرقمي، يصبح التسويق عنصرًا حاسمًا. إنشاء موقع إلكتروني رسمي للسياحة في دنقلا، وتفعيل منصات التواصل الاجتماعي، والتعاون مع شركات السياحة محليًا ودوليًا، كلها أدوات ضرورية لوضع دنقلا على خارطة السياحة الإقليمية والعالمية.
كما أن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في الحجر؛ فالتدريب المتخصص للعاملين في القطاع السياحي، وتطوير برامج تعليمية في مجال السياحة، وتوفير فرص عمل للشباب، سيضمن استدامة المشروع ونجاحه على المدى الطويل.
ويمكن تنفيذ هذه الرؤية على مراحل تبدأ خلال ستة أشهر بتطوير الأساسيات وإطلاق حملة تعريفية، ثم تمتد لعام لتطوير المعالم وتنظيم الفعاليات، وصولًا إلى مرحلة تقييم وتوسّع خلال عامين. أما التمويل، فيمكن أن يكون عبر شراكة بين الحكومة، والمنظمات الدولية، والمستثمرين، إلى جانب الإيرادات السياحية المتوقعة.
دنقلا لا تحتاج إلى اكتشاف جديد، بل إلى قرار جريء يعيد تقديمها للعالم. فإذا أُحسن التخطيط والتنفيذ، فإنها قادرة على أن تصبح بوابة السودان السياحية، وواجهة حضارية تليق بتاريخها العريق ومستقبلها الواعد.



