شعبنا يستحق معرفة الحقائق بعيداً عن التعتيم والصورة الوردية التي تحيط بالبحث المضني عن الهدنة الانسانية، فالطريق اليها محفوف بالمصاعب كما ان الامال الكاذبة اسوأ من انعدام الأمل خصوصاً في ازمنة الحروب، والوعود التي تجافي الحقائق تولد الاحباط والألم.
لم تكن هي المرة الأولى التي يُعلن فيها اننا على مرمى حجر من الهدنة الانسانية ونجد انفسنا امام جبل وليس حجر تتعثر أمامه الهدنة الانسانية، ومن المهم ان نصارح شعبنا بالحقائق وان لا نتركه نهباً للتعتيم.
نشعر بالامتنان لكل جهد يبذله الوسطاء من اجل الهدنة ولكن يظل السؤال قائما حول أدوات الضغط التي يملكونها واذا ما كانوا يستخدمونها مع اطراف الحرب، وهل قضية الحرب في السودان نفسها تعتبر أولوية في أجندة المجتمع الدولي؟
ان الحديث عن اتفاق جاهز ومكتمل تنقصه الشواهد والأدلة ويمكن الحديث عن تفاهمات، ومن الواضح ان طريق الهدنة محفوف بالمصاعب التي يجب ان نتعامل معها بحذر ونستمع لشعبنا صاحب المصلحة ومالك المستقبل، والعبء الرئيسي يقع على عاتق السودانيات والسودانيين في ايجاد الحلول وتطوير آليات الضغط الداخلية والعمل الإيجابي مع القوى الخارجية، وأول الآليات في متناول أيدينا إلا وهي وحدة الجبهة المناهضة للحرب، بامكاننا ان نحتشد في جبهة وازنة معادية للحرب يُسمع صوتها وتوحد أكبر كتلة من شعبنا، وحدتها ثورة ديسمبر من قبل، والمصلحة في وقف الحرب تضم قوى خارج كتلة ثورة ديسمبر نفسها، وحتى يحسب لنا حساب ولا يتم تجاهلنا في تصميم عملية السلام وتملكها والمشاركة كطرف رئيسي فيها، وحتى لا يتحول السلام لصفقة بعيدا عن أعين الشعب ومشاركته.
قبل تلقف التصريحات التي تصدر من وقت لاخر وفي المنابر الاقليمية والدولية وعلى نحو رغبوي وحتى لا نكون مجرد صدى للترحيب بما يفعله الآخرون دون إشراكنا، نحتاج لدراسة المصاعب وكيفية التعامل معها، وفي هذا المقال سوف أتطرق لأربع مصاعب من ضمن أخريات، وفي مقال لاحق سوف احاول سبر غور الحلول الممكنة وكل ذلك يتطلب جهداً وعقلاً جماعياً وسنداً جماهيرياً.
١/ موقف الجيش وحلفائه:
قيادة الجيش تسعى لجعل الدعم السريع شريكاً أصغر ويرضى بما يقسمه له الجيش وحلفائه من سلطة وموارد في اطار نظام لا يقبل المحاسبة ويوفر الإفلات من العقاب كجزء من الصفقة وبعيداً عن القوى المدنية الحقيقية، وللجيش مخاوف في ان تؤدي الهدنة إلى اعادة تنظيم الدعم السريع وحلفائه واعادة تسليحه، وان يعاود الكرة للاستيلاء على مواقع الجيش خصوصاً إذا كرست الهدنة للنموذج الليبي وشرعنة تحالف الدعم السريع الخارجي، ويرى الجيش ان المصلحة في استمرار الحرب، وعلى الرغم من زواج المصلحة بين الجيش والإسلاميين، فإن الإسلاميين يتخوفون من قيادة الجيش الحالية ويرفضون ان يحارب الجيش ويفاوض كما هو الحال في عهد البشير، ويخشون من ثقب البوابة الدولية التي يمكن ان تُدخل الجيش لدار المجتمع الدولي وتُوصد الباب في وجه الاسلاميين.
علينا دراسة موقف الجيش دون التماهي معه وان يكون للقوى المناهضة للحرب طرحا بديل يدرس موقف الجيش بعناية ويحلل بدراية زواج المصلحة بينه وبين الاسلاميين وكيف نعمل داخلياً مع موقف الوساطة المعلن باستبعاد الاسلاميين، وعدم المطابقة الصمدية بين الجيش والإسلاميين، فنحن اصحاب المصلحة والمدنيين يدفعون الثمن ولابد من محاصرة طرح الاسلاميين، وعلى الجيش ان يدرك ان مطالبة الدعم السريع بالاستسلام تشكل دعوة لاستمرار الحرب، وتحاصر اي رغبة في السلام داخل الدعم السريع.
٢/ الدعم السريع وحلفائه:
هم يعلنون الهدنة والسعي لها وفي نفس الوقت يهاجمون مواقع الجيش ويحاصرون المدن، وفي هذه الحالة هم في موقع هجوم وليس دفاع مما يلقي بالظلال والشكوك حول جديتهم في الهدنة واذا ما كانت بالنسبة لهم جزء من حملة العلاقات العامة لتحسين صورتهم، كما ان إعلانهم لحكومة وبناء دولة هو طرح استراتيجي يصعب من امكانيات حل سريع لقضية الهدنة والعملية السياسية ويطيل امد الهدنة دون الوصول لحل نهائي.
٣/ عدم انسجام الوساطة:
الوساطة دخلت في حرب مع بعضها البعض فيما عدا الولايات المتحدة الأمريكية التي يبدو انها بعيدة من صراعات بقية دول الوساطة.
عدم انسجام الوساطة ومطالبة اطراف الحرب باستبعاد بعضها مؤشر سلبي يضعف من كروت الضغط التي تملكها الوساطة ويساهم في اطالة امد الحرب، كما انه توجد رباعية اخرى بقيادة الاتحاد الأفريقي ولا يوجد تنسيق واضح بين الرباعيتين.
٤/ الحرب في السودان ومنصات الصراع الاقليمي:
الحروب الحالية في العالم ذات ارتباطات عضوية بالجيوبولتك أو الجغرافيا السياسية في أحزمة اقاليم العالم المختلفة، وحرب السودان دخلت لمستنقع الصراعات الاقليمية ذات الامتداد الدولي، والسودان له موقع فريد مرتبط بحزام البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل والشرق الأوسط وحروب نهب الموارد ومن ضمنها المياه، ومؤخرًا زحفت الحرب داخل السودان لبلدان الجوار، وكل ما تأخر الحل ذادت التعقيدات الاقليمية ونمت التحالفات الاقليمية المرتبطة بالحرب وذات الامتدادات الدولية.
هذه العوامل الأربع مضاف اليها أخريات من ضمنها الانقسام الداخلي تصعب الوصول للهدنة الانسانية ولكن العالم والسودان على وجه الخصوص له تجارب في قضايا الحرب والسلام يمكن الاستفادة منها.
هل نكتب روشتة العلاج ام يكتبها غيرنا؟
تعلمنا من الدكتور جون قرنق دي مابيور في سنوات الحرب وعند تفاعلنا مع ما يدور داخل بلادنا وارتباطه إقليمياً ودولياً ان نسارع في كتابة الروشتة التي تناسب علاج اوضاع بلادنا وان لا نتركها للاخرين مع تفاعلنا الإيجابي معهم، طال الزمن ام قصر فان الهدنة آتية لا ريب فيها، وهي شرط رئيسي يفتح الطريق نحو حق الحياة وحماية المدنيين دون تجويع وترويع ووقف الكارثة الإنسانية والانتهاكات، ولكن الهدنة الانسانية ستكون منقوصة ان لم تجتمع القوى المناهضة للحرب في جبهة وازنة، وتتفق على تصور لها يجيب على السؤال الهام المتعلق بدور المدنيين ومشاركتهم في الهدنة الانسانية وعدم تركها لطرفي الصراع العسكري، لان الهدنة هدفها الرئيسي حماية المدنيين من اطراف الحرب وهي مدخل لتوسيع الفضاء المدني، ولن يتم ذلك دون مشاركة المدنيين انفسهم.
الهدنة تمهد الارض للعملية السياسية، كحزمة واحدة وفي تناغم وانسجام، وهذا يتطلب بناء جبهة عريضة للسلام والديمقراطية والمواطنة حتى نُعرف انفسنا ايجاباً لما نعمل من اجله وليس بما نرفضه كجبهة معادية ومناهضة للحرب.
علينا كتابة الروشتة التي ناضل من أجلها شعبنا وان لا نترك مجالاً لصفقة باسم السلام تعيد انتاج ازماتنا السابقة وتتجه بنا نحو حرب جديدة بدلاً عن السلام المستدام والمواطنة بلا تمييز والديمقراطية الراسخة.
١٢ فبراير ٢٠٢٦
هذا المقال نُشر وكُتب لصحيفة ديسمبر الاكترونية



