عندما وقف مني أركو مناوي أمام البرلمان الفرنسي كان يحمل صرخة دارفور الإقليم الذي أُبيد منذ 2003 بلا رحمة الإقليم الذي تحوّل إلى مسرح مفتوح للقتل المنهجي على أيدي الجنجويد والمليشيات الكيزانية لم يكن مجرد سرد تاريخي بل محاولة لإعادة تدويل الإبادة التي تجاهلها العالم لعشرين عامًا
منذ حرق قرى كتم وحتى مخيم زمزم والمناطق المحاصرة حول الفاشر المدنيون يعيشون في جحيم يومي من القتل والتشريد والاغتصاب الجماعي وكل ذلك تحت صمت الأمم المتحدة صمت الاتحاد الأوروبي وصمت القوى الغربية التي تصنّف الإبادة مجرد نزاع داخلي وكأن الدم البشري مادة قابلة للتسويق السياسي
لكن هناك ما أزعج كل من يعرف تفاصيل الخراب مناوي اختار أن يغفل أو تغافل عمداً عن ذكر اسم البرهان في لائحة الاتهام الشخص الذي ساهم بنسبة كبيرة في تدمير دارفور الذي كان في قلب كل تحركات المليشيات وفي كل القرارات العسكرية والسياسية التي أسهمت في إبادة المدنيين
البرهان جزء من نفس آلة القتل التي بدأها البشير واستكملها الجنجويد من البشير إلى الجنجويد ومن الجنجويد إلى البرهان تسلسل الإبادة واضح ومع ذلك اختار مناوي التركيز على الجانب الرمزي والتاريخي دون توجيه أصابع الاتهام لمن ساهم في استمرار الكارثة حتى اليوم
هذا التغافل لا يضعف الرواية الدولية بل يكشف عن الصعوبة الحقيقية في مواجهة شبكة الفاعلين في دارفور الإبادة لم تكن أبدًا فردية ولم تكن معزولة بل شبكة مترابطة من القتلة والسياسيين والمليشيات والداعمين الخارجيين ومناوي رغم صدقه في نقل صوت الضحايا غفل أو خاف أن يفضح أحد أكبر شركاء الجريمة الحالية البرهان الذي بقراراته وتحركاته كان شريكًا مباشرًا في استمرار آلة القتل والملاحقة القبلية والاغتصاب الجماعي وحرق القرى
خطاب مناوي أمام البرلمان الفرنسي كان ناريًا لكنه ناقص العدالة الانتقائية نقل صورة دارفور المذبوحة لكنه لم يشهر السيف لكل من ساهم في استمرار الإبادة تاركًا الباب مفتوحًا أمام أولئك الذين يريدون استباحة الإقليم بلا مساءلة ولا حساب
دارفور تكلمت وأوروبا صمتت لكن الحقيقة الأكبر هي أن الإبادة مستمرة والشريك الأكبر في استمرارها لم يُذكر اسمه من البشير إلى الجنجويد إلى البرهان كلها حلقات في نفس سلسلة الدم والصمت عن أي حلقة يعني استمرار الجريمة بلا رادع
كنا نريد من خطاب مناوي أن يفضح كل الأسماء التي تحمي الإبادة تحت الغطاء السياسي كل من اختار الصمت وكل من يغفل دوره في الخراب دارفور تستحق العدالة كاملة بلا استثناء بلا اختيارات لأن مناوي يعلم جيدًا أنه إذا فتح الباب أمام أسماء الجناة فإنه سيكون محاصرًا باتهام الانتقائية
المطلوب اليوم ليس كلمات لطيفة أو تصريحات دبلوماسية المطلوب محاسبة الجميع من القتلة إلى الصامتين من البشير إلى البرهان من الجنجويد إلى القوى الدولية التي تراقب الدم دون تحريك ساكن دارفور لن تصمت بعد والجرائم لن تختبئ وراء بروتوكولات البرلمان الفرنسي ولن ينجو أحد من التاريخ الذي يسجل كل دم كل قرية كل امرأة وكل طفل ذُبح باسم الصراع السياسي




