*جمعان بين الرصاص والحنين حكاية انتظار لا يموت*

أن تحبي مقاتلًا في زمن الحرب ليس مجرد شعور عابر بل تجربة تمزق قلبك وتجعل روحك تتضاعف آلاف المرات لتصبح جزءًا من المعركة حبك له لا يعرف الطمأنينة بل يعرف المراقبة المستمرة والخوف المستتر كل نبضة من هو قلبك محسوبة وكل تنفس مرتبط بخطر محتمل تحبينه وتكتشفين أنك لم تعودي امرأة عادية بل صرتِ كيانًا متعدد الطبقات حبيبة تراقب صديقة تخاف وجندية تدرس وصحفية توثق ومحامية تدافع وطبيبة تحرس في كل لحظة من صباحك حتى آخر ضوء من الليل تحبينه وتعيشين على احتمال الفقد وتتعلمين أن الحب في زمن الحرب لا يُقاس بالكلام ولا بالرسائل العاطفية بل بالوعي واليقظة والانتباه والحذر تحبينه وتكتشفين أن قلبك صار خريطة للمعارك وعقلك صار دفترًا لتوثيق كل التفاصيل وأن كل كلمة تقولينها وكل دمعة تتساقط من عينيك لها وزن في ميزان البقاء
حين تحبين مقاتلًا يجب أن تحفظي أنواع السلاح كما يحفظ الجندي مواقعها وتتعلمين كيف تصنّفين الرصاص والقذائف كما تصنّف النساء أفكارهن تعرفين أي الأخبار أخطر وأي الجبهات أكثر اشتعالًا تحفظين أسماء البنادق كما تحفظين اسمه وتحفظين خرائط المعارك وكأن قلبك يراقب الحركة والسكينة في آن واحد لأن جهلك بالحرب يضاعف خوفك ومعرفتك بها تمنحك القدرة على الصمود لا يُدركها أحد أن تحبي مقاتلًا يعني أن تصبحي طبيبة بالفطرة تحفظين أماكن الإصابات القاتلة وأماكن النجاة تتعلمين الفرق بين الجرح الذي يُحتمل والجرح الذي يسرق العمر تراقبين الأخبار وتقرئين أسماء المدن وكأنك تبحثين عن جسده بين السطور وتعدّين ساعات الغياب ليس بالدقائق بل بنبض قلبك وتستيقظين كل صباح على احتمال أن يعود سالمًا أو لا يعود أبدًا
وإذا أُسر الذي تحبين لا يكفيك البكاء وحده تتحولين فورًا إلى محامية تعرفين القوانين الدولية تفتشين عن اسمه في القوائم تقاتلين بالكلمة وبالذاكرة وبالعاطفة ترفضين أن يكون مجرد رقم تتشبثين بحقه في الحياة كما لو أنك تقفين وحدك أمام محكمة العالم كله وكل كلمة تقولينها تصبح سلاحًا دفاعيًا وكل دمعة تقين بها رأسك شهادة على رفض الخضوع والخوف واليأس وكل لحظة انتظار تصبح شهادة على صمودك وإرادتك ووعيِك بالحياة التي تقاتلين من أجلها
وإذا انتصر الذي تحبين تصبحين صحفية توثق حكايته تكتبين عنه وكأنك تكتبين عن وطن صغير نجا من الموت تروين التفاصيل لأنه لا يجوز أن يُنسى لأن النصر بلا ذاكرة هش والتضحية بلا رواية تموت مرتين وتدركين أن حبك لم يكن مجرد حكاية قلب بل كان شهادة حية على أن المقاومة لا تتوقف عند الحرب وأن الحب يمكن أن يكون شكلًا من أشكال الشجاعة الصامتة والحياة التي لا تنكسر
أن تحبي مقاتلًا يعني أن تعيشي أكثر من حياة في جسد واحد حبيبة ترتعش وجندية تراقب وطبيبة تحرس ومحامية تقاتل وصحفية تشهد وأنتِ لا تملكين أي حماية سوى الحب نفسه الحب الذي يحمّلك مسؤوليات لا يُكافأ عليها أحد الحب الذي يجعلك أقوى مما كنتِ تتخيلين وأكثر هشاشة في آن واحد الحب الذي يربط قلبك بحرب لا ترى نهايتها لكنه في كل لحظة يذكرك بأن ما تُضحين به ليس عبثًا وأن حبك رغم كل الألم هو شكل من أشكال المقاومة والجمال في زمن الخراب
في زمن الحرب لا يكون الحب ضعفًا ولا ترفًا بل عبء نبيل مسؤولية ثقيلة صبرًا لا يُكافأ ورجاءً مستمرًا بأن من تحبين سيعود وأن حياتك رغم كل ما أخذته الحرب منك ستظل حية نابضة متمسكة بالحب الذي تحبينه خاصة إذا كان هذا الحب مقاتلًا الحب الذي يجعلك كل يوم حبيبة وجندية وطبيبة ومحامية وصحفية في آن واحد الحب الذي يجعلك تدركين أن العالم لا يُدافع عن الحب ولكنه يدافع عن من يجرؤ على أن يحبه في أقسى الظروف الحب الذي يجعلك أقوى وأكثر هشاشة وأكثر إنسانية وأكثر حزنًا وأكثر شجاعة وأكثر عشقًا وأكثر مقاومة وأكثر حقيقة وأكثر عشقاً
وهكذا يصبح الحب مع مقاتل في زمن الحرب تجربة شاملة لكل جوانب الحياة والموت والخوف والرجاء والجمال والرعب والمعرفة والمسؤولية إنه اختبار لا يرحم لكنه يجعل القلب يتسع للإنسانية كلها ويعلّمك كيف تحبين حتى حين يكون الموت أقرب من الحياة
حين همست الصورة

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole