في هذا اليوم الذي يزدحم بالقلوب الحمراء والهدايا اللامعة أختار أن أكتب بقلبٍ مكشوف بلا زينة وبلا مجاملة أكتب لأن الحب في بلادنا ليس طقسًا اجتماعيًا بل قدرًا ثقيلًا نحمله كل يوم أكتب لأن الوطن حين ينزف لا يحتاج إلى عبارات رقيقة بل يحتاج إلى قلوب لا تخونه وإلى أذرع تحرسه وإلى أرواح تؤمن به حتى النهاية الحب هنا ليس همسًا بين عاشقين بل صرخة في وجه الخراب الحب هنا أن نتمسك بالإنسان حين يحاولون تحويله إلى رقم في نشرة الموت
إلى أسرتي أنتم أول الحكاية وآخرها أنتم الذين علمتموني أن الكرامة لا تُجزأ وأن الموقف لا يُباع وأن الصمت أمام الظلم خيانة حين تكاثرت العواصف حولي كنتم الجدار الذي لا يسقط وحين ضاقت البلاد كنتم الوطن الصغير الذي يتسع لروحي بكم أفهم أن الحب ليس كلمات تقال في المناسبات بل كتف يُسند ويد لا ترتجف حين تمسك بيدي وأن الثبات في زمن الانهيار هو أسمى أشكال العشق
إلى أصدقائي أنتم الذين لم تختاروا المنطقة الرمادية حين كان الانحياز مكلفًا أنتم الذين وقفتم في العلن ولم تهمسوا في الظل أنتم الذين فهمتم أن الصداقة موقف وأن الحب مسؤولية وأن الوفاء امتحان لا ينجح فيه إلا القلائل في زمنٍ صارت فيه العلاقات صفقات كنتم أنتم الاستثناء النبيل وكنتم الضوء الذي يرفض أن ينطفئ مهما اشتدت الريح
إلى الجيوش التي تقاتل في الميادين من أجل حب الوطن أقولها بوضوح نحن نراكم نحن نعرف أن الطريق الذي تمشونه ليس مفروشًا بالتصفيق بل بالشظايا وأن الليل الذي يسكن خنادقكم أطول من كل خطابات السياسة أنتم لستم أرقامًا في بيان عسكري أنتم أبناء هذا الشعب وإخوته وأنتم الذين قررتم أن تكونوا السور حين تصدعت الجدران وأن تكونوا الدرع حين انكشفت الصدور أنتم الذين خرجتم من بيوتكم تحملون وصايا الأمهات ودعوات الآباء وأحلام الأطفال أنتم الذين آمنتم أن الوطن ليس قطعة أرض بل معنى يعيش في الدم وأن الدفاع عنه ليس خيارًا بل شرف
نحن نحبكم لأنكم اخترتم المواجهة حين كان الهروب أسهل نحبكم لأنكم لم تساوموا على كرامتنا ولم تتركوا البلاد نهبًا للفوضى نحبكم لأن في عيونكم إيمانًا بأن الغد يمكن أن يولد من تحت الركام ولأنكم تثبتون كل يوم أن الشجاعة ليست صخبًا بل صبر وأن القوة ليست بطشًا بل حماية وأن الجندية ليست رتبة بل عهد
وإلى الشهداء الذين ارتقوا وهم يلفظون أسماء الوطن في أنفاسهم الأخيرة اعلموا أننا نحبكم اعلموا أن دماءكم ليست خبرًا عابرًا بل حجر أساس في مستقبلٍ نحاول أن نبنيه اعلموا أن أمهاتكم لسن وحدهن وأن أبناءكم يكبرون في قلوبنا كما يكبرون في بيوتكم أنتم لم تغيبوا بل صرتم معيارًا نقيس به صدقنا وصار اسم كل شهيد سطرًا مضيئًا في كتاب هذا الشعب نحن لا نبكيكم لأنكم خسرتم بل نبكي أنفسنا لأننا لم نبلغ بعد مقام تضحيتكم لكننا نعاهدكم أن نظل أوفياء وأن يبقى الوطن الذي حلمتم به حيًا فينا
إلى وطني الجريح أحبك لأنك تستحق أن تُشفى أحبك لأن فيك رجالًا يقفون في الميدان ونساءً يصبرن في البيوت وأطفالًا يحلمون رغم الدخان أحبك لأنك أكبر من الحرب وأطهر من الذين تاجروا بدمك أحبك لأنك فكرة العدالة حين تنتصر وفكرة الكرامة حين ترفض الانكسار الحب لك ليس قصيدة بل انحياز كامل للناس ضد كل من أرادهم وقودًا لمعاركه
وفي قلب هذا كله تبقى تلك الصورة التي لمحته فيها أيها الشجاع لم تكن ملامحك مجرد تفصيل عابر كان في نظرتك يقين يشبه الطمأنينة القديمة يشبه أبي حين كان يمشي ثابت الخطى لا يخاف الطريق كان في هدوئك وعد بأن الوطن ما زال قادرًا أن ينجب رجالًا يقفون مستقيمين حتى لو كانت الريح عاتية لا أعرف اسمك لكنني أعرف الأثر وأعرف أن صورة واحدة قد تعيد ترتيب القلب وتذكره أن في هذا العالم من يشبه الدعاء حين يُستجاب
في يوم الحب لا أقول كلمات مزخرفة بل أقول عهدًا واضحًا أن أبقى منحازة للوطن ولمن يحرسونه ولمن استشهدوا من أجله أن أبقى أكتب وأن أقاوم وأن أحب رغم كل محاولات التجفيف أن أبقى أؤمن أن الدم الذي سُفك لن يضيع وأن الأرض التي رويت به ستنبت عدلًا يومًا ما
هذا هو حبي لا وردة تذبل ولا وعدًا عابرًا بل موقفًا لا ينكسر وعهدًا لا يتراجع وقلبًا يختار الوطن والناس والكرامة قبل كل شيء




