في يوم الجمعة ١٢ ديسمبر ٢٠٢٥ ، غادر عالمنا قبل الآوان الإنسان والصديق محمد هاشم، الذي أطل على الحياة عام ١٩٥٨، ورحل عنها في العاصمة المصرية القاهرة. كان محمد هاشم مناضلاً ومثقفاً وناشراً للوعي، وقد أتاح لمئات الأصوات من الرصيف والهامش، ومن غمار المبدعين المحتجين على غياب عدالة الأرض، والذين أدركوا أن الفقر لم يكن حادثاً صدفيّاً محضاً، بل في معظمه مخططاً من مخططات الأنظمة البشرية بعناية واختيار.
في مطلع التسعينيات، كنتُ والصديق المبدع عبد الله محمد عبد الله في طريقنا من ضاحية المعادي بالقاهرة إلى دار المحروسة، وهي أحد مراكز الاستنارة والنشر وكان يديرها فريد زهران. وتعرفت في تلك الزيارة على فريد زهران ومحمد هاشم، وما ذهبت إلى القاهرة بعد ذلك إلا وبحثت عنهما حتى تكتمل رحلتي. واتذكر تماماً ونحن في طريقنا إلى دار المحروسة، أن عبد الله ذكر لي أننا سنلتقي بفريد ومحمد، ودخلت معه في حديث طويل عن سعد عبد القوي زهران، والد فريد وأحد قادة اليسار المصري في موجات الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وتلك السنوات النضِرة.
وقد أسدى لنا الدكتور رفعت السعيد وآخرون ممن شاركوا في مراحل تلك الحقبة كتابات عظيمة للتعرف على شخوصها، والناس الجيدين الطامحين للعدالة والمساواة والحرية ونهوض المحروسة. ولاحقاً اطلعنا على العديد من مساهماتهم التي لم تسقط سهواً أو بالتقادم. وحينما كنت فتياً وطالباً في المرحلة الجامعية، أبدأ قراءة جريدة الأهالي إحدى إصدارات اليسار والتي يصدرها حزب التجمع بقراءة مقال صلاح عيسى أولاً، وما أدراك ما صلاح عيسى له الحب والتجلة وهو لازال يحلق بأجنحة خفاقة في عليائه السامق، ولا زلت احفظ عن ظهر قلب بعض عنوانين مقالاته ( ارفعوا ايديكم عن اسماعيل المهدوي) ( دقات جنائزية على دفوف الستينات) ( رجال مرج دابق)، وتلك حقبة رفدت الحياة بالعديد من المفكرين الرائعين ذوي المواهب المتعددة.
منذ ذلك المشوار إلى المحروسة توثقت صلتي بمحمد هاشم وفريد زهران، وقدمت محاضرة في المحروسة عن الحركة الشعبية ومسألتي السودان وجنوب السودان، صدرت لاحقاً في كتيب صغير عن دار المحروسة وقد حرّره محمد هاشم. بعد المحروسة أسس محمد هاشم دار «ميرت» عام ١٩٩٨ وبجدّه ومثابرته أصبحت داراً ذات شأن وأنياب في نشر المعرفة، وكان لها أثر واضح ومحسوس في إثراء المشهد الأدبي والثقافي داخل مصر وخارجها.
فاز محمد هاشم بجوائز عديدة من أوروبا والولايات المتحدة، واحتلت داره مكانة رئيسية. ولم يكتف بذلك بل كان فاعلاً في قلب اليسار المصري، وتعرّض للاعتقال والمضايقات، وشارك في تأسيس حركة (كفاية)، وتأسيس (أدباء وفنانون من أجل التغيير)، وهو علماً من أعلام ثورة ٢٥ يناير، وأصبحت دار (ميرت) مركزاً من مراكز الثورة.
نشرت دار ميرت لأسماء كبيرة بعيداً عن المؤسسة الرسمية ومؤلفات عصية على النسيان، مثل (عمارة اليعقوبيان) لعلاء الأسواني ومختارات من أشعار (سميح القاسم) و(السراسوة) لأحمد صبري، ولم يكن محمد هاشم مجرد ناشر بل كان بوابة من بوابات الثقافة، ودفع بأجيال جديدة إلى واجهة الحياة ومسرح الثقافة. كان جريئاً ومنتمياً لنهضة مصر وتقدمها، ورغم مضي بعض الوقت على رحيله، فإن مثله لا يطويه النسيان. ولا بد لي أن أكتب عنه، كصديق وإنسان مسكون بحب الجنوب، في السودان وجنوب السودان والجنوب العالمي.
في مساء ٢٩ يوليو ٢٠٢٣ ، وفي زيارتي لمصر بعد غيبة، اتصلت بمحمد هاشم لتحديد موعد ومكان للقائه ولم يرد، حينها تركتُ له رسالة وطلبتُ أن ألقاه في دار «ميرت»، وسرعان ما أجابني قائلاً،(مساء الفل والجمال – ٣٢ شارع صبري أبو علم، الدور الأول، شقة ٨) وكان ذلك لقائنا قبل الأخير. ولا أزال أحتفظ برسائله في هاتفي.
وحينما صعدت الدرج إلى مكتب محمد هاشم، الذي كان مشبعاً برائحة التبغ كالعادة، ومليئاً بخزائن الكتب التي إن لم تجد مكاناً على الأرفف جلست على الأرض، يحمل بعضها أسماء وصور أصحابها الحاضرين، وكثيراً من صور الغائبين في مختلف ضروب العلم والأدب والفنون، كان مكتبه مزدحماً بالإصدارات الجديدة. وقد لعبت اهتمامات محمد هاشم الأولى بقضايا التقدّم والعدالة والاستنارة، واهتمامه بالعالم كفضاء حيوي مترابط وعضوي، دوراً كبيراً في توجهاته في النشر.
تحدثنا طويلاً عن مصر والسودان وفلسطين وعن الكرة الأرضية. وفي تلك الأيام كانوا ينوي إخلاء مكتبه في العمارة التي يشغلها وسط القاهرة، ولم تكن تلك المرة الأولى، فقد ظل بدوياً دائم الترحال مرة بالقرب من ميدان التحرير وأخرى عند باب اللوق وتارة عند قصر النيل، وها هو الآن في رحلته الأبدية.
في ذلك اللقاء حاول مساعدتي للالتقاء بعدد من الفاعلين والمثقفين المصريين للحديث معهم عن أوضاع السودان، وتزوّدت منه بإصدارات وكمّ هائل من الكتب. وقبل أن اودعه تذكرت كتاب ( أنت السبب يابا) للأستاذة والمناضلة نوارة نجم، الذي تحكي فيه عن علاقتها بوالدها المبدع العظيم أحمد فؤاد نجم. وعرض علي النسخة الوحيدة لديه، والمزيّنة بإهداء من نوارة نجم، (إلى عمي وعمّ الدنيا كلها، عم هاشم)
نوارة –٢٩ يناير ٢٠٢٣، رفضتُ أن آخذها، لكنه أصر علي، وقال لي إنها ستوقّع له الإهداء نفسه في نسخة أخرى. كنتُ أرسل له كتاباتي عن حرب السودان، وكان دائماً متضامناً مع الشعب السوداني مهتماً بأمره، ومؤمناً بروابط المصير والكفاح المشترك، وغالباً ما كان يختم رسائله بجملة أثيرة (أمنياتي بالتوفيق ووقف هذا العبث بمصير الشعب السوداني).
في لقائي الأخير بمحمد هاشم عام ٢٠٢٤، أعدتُ له أمنية قديمة بأن ألتقيه في الخرطوم، وقلت له إن صديقنا المشترك فريد زهران قد زارني في منزلي بالخرطوم، وإنني أنتظر زيارته بعد نهاية الحرب في السودان. ضحك وأكد لي أنه سيكون أول من يأتي إلى الخرطوم بعد انتهاء الحرب.
لم تنتهي الحرب بعد ولن يأتِ محمد هاشم ولكن روحه المحبة للسلام ستحلق في سماء السودان، وسيتبادل إصدارات دار (ميرت) الديسمبريات والديسمبريين من شباب ثورة ديسمبر الباحثين عن السودان الجديد وعالماً جديد منصف.
سلام على محمد هاشم عند مليك رحيم
١٤ فبراير ٢٠٢٦



