*مِفْتَاحُ المَدى… ( حكاوي من زمن الحرب) بقلم / د. محمد حمد محمداحمد إعادة إعمار الخرطوم: حينما تسقط الرؤية في فخ “الإسمنت” وغياب “الوصل”*

غالباً ما ترتبط عبارة “إعادة الإعمار” ببريق الأمل، وصور الآلات الثقيلة التي تزيح ركام الماضي لتبني مجد المستقبل. ولكن خلف هذا البريق في السودان، يبرز سؤال جوهري يغيب في زحمة المشاريع والمقاولات إلى أين نحن ذاهبون؟ وهل الهدف هو مجرد رص القوالب الإسمنتية، أم بناء فضاءات تعيد صياغة حياة الإنسان؟
الفخ الإسمنتي.. بناء بلا روح
المشكلة الكبرى التي تواجه تجارب إعادة الإعمار هي “التعامل الميكانيكي” مع الدمار. غياب الرؤية يجعل من عملية البناء مجرد رد فعل سريع لسد فجوة السكن، دون النظر إلى الهوية البصرية أو الذاكرة الجماعية للخرطوم. إننا نواجه خطر نشوء “غابات إسمنتية” تفتقر للروح، وتخلق أزمات اجتماعية وخدمية أعمق مما كانت عليه قبل الحرب. فالإعمار الحقيقي لا يبدأ من الحجر، بل من البشر وتلبية احتياجاتهم النفسية والاجتماعية قبل الهندسية.
التباعد المؤسسي: “السيادي” في وادٍ و”التنفيذي” في وادٍ آخَر
إن أخطر ما يواجه مشروع التعافي الوطني هو “التباعد المؤسسي” الواضح؛ حيث نلحظ فجوة واسعة بين تطلعات الجهاز السيادي الذي يرسم الخطوط العريضة للسياسات العليا، وبين الحكومة التنفيذية المنوط بها تحويل هذه القرارات إلى واقع ميداني.
هذا التنافر يجعل من برنامج الإعمار جسداً بلا رأس؛ فتضيع الأولويات بين رغبة “السيادي” في استعادة هيبة الدولة ومقارها السيادية سريعاً، وبين عجز “التنفيذي” عن توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية (مياه، كهرباء، طرق، صحة ،و تعليم ) التي يحتاجها المواطن ليعود إلى منزله في أمان.
استثمار الإنسان: “المهاجر المنتج” كرافعة استقرار
وفي ظل غياب الرؤية الشاملة، نجد تجاهلاً لمورد بشري ضخم(السودانيون بالخارج). إن إيجاد فرص وظيفية للمواطنين بالخارج عبر اتفاقيات دولية ليس “هروباً من البطالة”، بل هو استراتيجية ذكية لزيادة الاستقرار بالداخل عبر تدفقات النقد الأجنبي وتخفيف الضغط على الخدمات المنهارة في العاصمة خلال فترة الاعمار . إنها رؤية تحول “المغترب” من مجرد مغادر إلى “ممول ومشارك” في عملية الإعمار.
اخيرا ً: مكمن الخلل
إن إعادة إعمار الخرطوم ليست مجرد قضية هندسية، بل هي عملية سياسية، اقتصادية، واجتماعية بامتياز. إننا بحاجة إلى إعمار يبدأ بالتخطيط قبل التنفيذ، وبالعقل قبل السواعد، لكي لا نكتشف بعد فوات الأوان أننا بنينا جدرانًا تحجب عنا المستقبل بدلاً من أن تفتحه أمامنا.

بناء الجدران سهل، لكن بناء الثقة في مؤسسات متناغمة هو التحدي الحقيقي. إننا أمام فجوة تنظيمية تجعل من قرارات الدولة مجرد جزر معزولة، وفي هذا الفراغ الممتد بين طموح القيادة وعجز التنفيذ يبرز “غياب الوصل”؛ وهنا تحديداً يكمن مكمن الخلل.
الي ان نلتقي في حكاية جديدة ……..

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole