ليست الولاية الشمالية مجرد رقعة جغرافية على ضفاف النيل، بل هي كتاب التاريخ المفتوح للسودان. أرض تختزن أهرامات ومعابد وتماثيل ونقوشًا تمتد جذورها إلى حضارات مملكة كوش (مروي) وتشهد على عصور الفترة المسيحية المزدهرة في بلادنا عبر آثار دنقلا العجوز وغيرها. إنها ذاكرة أمة كاملة، لا تُقدَّر بثمن.
لكن هذه الذاكرة تُنهب اليوم… على مرأى ومسمع الجميع الآثار في الشمالية لم تعد مهددة فقط بعوامل الطبيعة أو الإهمال الإداري، بل أصبحت ضحية مباشرة لجشع الإنسان. التعدين الأهلي، الذي يفترض أن يكون وسيلة عيش، تحوّل في بعض صوره إلى معول هدم في صدر التاريخ. آليات ثقيلة تنبش الأرض بلا وعي، وحفر عشوائية تلتهم طبقات أثرية لم تُدرَس بعد، وقطع تُهشَّم أو تُهرَّب لتباع في أسواق الظل.
في جزيرة صاي، أحد أهم الكنوز الأثرية في شمال السودان، بلغ الاعتداء حدّ إدخال لودرات إلى موقع يفترض أن يكون محميًا بالقانون والضمير قبل أي شيء. الجزيرة التي تختصر آلاف السنين من التاريخ، تحولت إلى ساحة عبث تحت لافتة البحث عن الذهب. أي مفارقة هذه؟! ندمّر ذهب التاريخ من أجل ذهبٍ زائل.
نعم، جاء قرار والي الشمالية، السيد عبد الرحمن عبد الحميد إبراهيم، بحظر التعدين التقليدي داخل الجزيرة وفرض عقوبات بالسجن والغرامة. وهو قرار يُحسب له بلا شك. لكن السؤال الجوهري: هل تكفي ستة أشهر سجن وغرامة مالية لردع من يدمّر حضارة عمرها آلاف السنين؟ هل يمكن تعويض قطعة أثرية فريدة بغرامة مالية مهما بلغت؟ الجريمة هنا ليست تعديًا على أرض… بل على هوية. ليست مخالفة قانونية عابرة… بل اقتلاع لجذور أمة.
إن حماية الآثار يجب أن تُعامل كقضية سيادة وطنية، لا كملف إداري ثانوي. المطلوب تشريعات أكثر صرامة، وعقوبات تصل إلى أقصى درجات الردع، وتفعيل حقيقي لأجهزة الرقابة، لا بيانات إدانة بعد وقوع الكارثة.
وفي المقابل، لا بد من العمل على تغيير الثقافة السائدة عبر التوعية والتحفيز، بحيث يصبح مكتشف الأثر شريكًا في حمايته لا سببًا في تهريبه. كما أن مناهجنا الدراسية مطالبة بأن تزرع في نفوس أبنائنا قيمة هذا الإرث، لأن من لا يعرف قيمة تاريخه، لن يدافع عنه.
إن ما يحدث اليوم في الشمالية ليس مجرد تعديات متفرقة، بل إنذار خطير. فإما أن ننتصر لتاريخنا ونصونه، أو نتركه يُدفن مرتين: مرة تحت الرمال، ومرة تحت جشع الإنسان والتاريخ لا يرحم من يفرّط فيه.




